من يجد شعرة في الكتاب المقدس!



بقلم : الانبا مكاريوس أسقف عام المنيا 

من بين الجوانب السلبية في مثل هذه الظروف، من الأزمات والكوارث الطبيعية، ومن خلال المتابعة التاريخية، ظهور الكثير من الدجّالين والمتاجرين بقلق الناس وذعرهم، وذلك بقصد تحقيق مكاسب متنوعة، على حساب سذاجة البعض وهم كُثُر (ونسبة لا بأس بها منهم من المثقفين!). ومثل أولئك يعانون في مثل هذه الظروف من الضعف والتشكُّك، ويصبحون مستعدين لأن يسلّموا مقودهم إلى أي شخص يعدهم بالشفاء أو النهاية السعيدة.

خلال هذه الأيام -أيام المحنة- أشاع البعض أن من يتصفّح الكتاب المقدس فسوف يجد بين ثناياه "شعرة صغيرة"، وعليه فقط أن يضعها في كوب من الماء ثم يشربها، وحينئذ سينجو بالتأكيد من أذى فيروس كورونا! وقد انساق بعض البسطاء للأسف لهذه "الوصفة" الساذجة، ليس ذلك فحسب، بل ادّعى مُطلِق هذه الضلالة أن من لا يفعل فلسوف يقتله الوبأ.

وهذه ليست المرة الأولى التي تتردّد فيها مثل هذه الشائعة الساذجة، ففي الستينات من القرن الماضي أشاع البعض نفس الكلام، بأن داخل ثنايا كل إنجيل سيجد صاحبه شعرة أو أكثر، وهرول البعض في البداية مفتشين الكتب، ولكن ليس من أجل أن لهم فيها، حياة كما قال الرب (يو 5: 39)، وذلك قبل أن توضّح الكنيسة أن هذا الإدعاء غير صحيح، ولا يتسق مع تعليم المسيح وفكر الكنيسة المرتشدة بالروح القدس.

وهذا الفكر ضد تعليم الكتاب والآباء والعقل والطب.. فما علاقة الفيروس بذلك؟ وكيف تذوب شعرة في الماء؟ لقد حذّر الله من السحرة والدجّالين والعرّافين والمنجِّمين، وأمر بعقابهم بشدّة (خروج22: 18)، كما صرّح السيد المسيح بأنه «لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى»، أي أن المريض يجب أن يتجه إلى الأطباء.

وأمّا استخدام الماء والزيت مع المرضى، فهو من خلال الكاهن والليتورجيا، كسرّ مسحة المرضى وصلاة اللقان، وليس بهذه السذاجة، فإن المريض يصلي إلى الله ويذهب إلى الطبيب كذلك. والطبيب بدوره بينما يشخّص المرض ويصف الدواء، فإنه يطلب إلى الله من أجل المريض.

ووارد أن تسقط بعض الشعيرات من أي إنسان منكفئ على القراءة في الكتاب، أو عن طريق الهواء، وبالتالي فلا علاقة لذلك بالشفاء من الأمراض. إن الكتاب المقدس ليس كتاب سِحر، بل هو كلمة الله الحيّة والفعّالة والمعزّية، ولا يليق بنا أن نتعامل معه بهذا المستوى.

إن الحلّ الأمثل عند ظهور أعراض المرض هو الصلاة أولًا إلى الله، "الطبيب الحقيقي الذي لأنفسنا وأجسادنا"، ثم استشارة الأطباء وتنفيذ تعليماتهم، فإن عملية الشفاء مشتركة بين الله والبشر الذين أعطاهم هذه الموهبة، هكذا خلق الله الطبيب ليعمل من خلال الله أيضًا «أَعْطِ الطَّبِيبَ كَرَامَتَهُ، لأَجْلِ فَوَائِدِهِ فَإِنَّ الرَّبَّ خَلَقَهُ» (سيراخ38: 1).

إن الطريق الذي سلّمته لنا الكنيسة مستندة على الكتاب المقدس هو: «أمَريضٌ أحَدٌ بَينَكُم؟ فليَدعُ شُيوخَ الكَنيسَةِ فيُصَلّوا علَيهِ ويَدهُنوهُ بزَيتٍ باسمِ الرَّبِّ، وصَلاةُ الإيمانِ تشفي المَريضَ، والرَّبُّ يُقيمُهُ، وإنْ كانَ قد فعَلَ خَطيَّةً تُغفَرُ لهُ» (يعقوب5: 14، 15)، كما نقرا عن تلاميذ السيد المسيح أنهم «وأخرَجوا شَياطينَ كثيرَةً، ودَهَنوا بزَيتٍ مَرضَى كثيرينَ فشَفَوْهُمْ» (مرقس6: 13).

إن خطورة مثل هذه الأفكار أنها توجّه الإنسان إلى قوّة ووسيلة أخرى بعيدًا عن الله، وهي طريقة مُضلِّلة بالطبع، كما أنه سيكون لها مردود صعب، فإن اتبع أحدهم تلك الوصفة الساذجة ثم أُصيب -لا سمح الله- ومات، فماذا يكون رد الفعل؟! أم أنه سيُقال وقتها إنه شرب بدون إيمان! وندخل في دائرة من المناورات الدَجَلية؟
... ... ... ...
العجيب أنه -وإلى جوار هذه الخرافة- بدأت الأحاديث عن رؤى وأحلام تأتي برسائل من الله للناس! وبالطبع لا يستطيع صاحب الادّعاء أن يقدّم دليلًا على صدق ما يقول. ويظهر الدجّال والحالم أو مدعي الرؤية بأنه البارّ الذي أرسله الله برسالة تحذير إلى الخطاة الأشرار الذين في العالم.. كما أننا في العهد الجديد لم نعد نستند على الرؤى والأحلام والرموز والإشارات، بل الروح القدس والكتاب المقدس وإرشاد الآباء، والطبيب عند المرض.

«حينَئذٍ إنْ قالَ لكُمْ أحَدٌ: هوذا المَسيحُ هنا! أو: هناكَ! فلا تُصَدِّقوا» (متى24: 23)


إرسال تعليق

0 تعليقات