الابن الضال والأب الحنون




بقلم : الانبا مكاريوس أسقف عام المنيا

يليق بنا أن نسمّي هذا المثل بمثل: "الأب الحنون"، وأن نطلق على الابن لقب: "الابن الذي كان ضالاً" – مثل قولنا: "المرأة التي كانت خاطئة"، وهو يُسمّى الابن الشاطر من وجهتين: فهو شاطر في توبته وهو شاطر كذلك للميراث.

الأب هو بطل القصة، فهو الذي غُلب أكثر من مرة من تحنّنه، وهو متحيّر بين ابن ساذج والآخر بار في عيني نفسه. غُلب في المرة الأولى عندما أصرّ الابن على اقتسام الميراث والأب ما يزال حيًّا، ولم يكن عجوزًا متهالكًا (بدليل أنه ركض لاستقبال ابنه، كما أنه أدار حفل الاستقبال بمهارة ونشاط)، وغُلب الأب ثانية من تحنّنه عندما نسي كل ما صدر عن ابنه حالما رجع. أمّا الابن ففي المرة الاولى لم يعترف بحياة أبيه (فالميراث يُوزَّع عادة بعد موت الأب)، وفي الثانية يطلب أن يُحسب كأحد الأجراء. وقد ظهر الأب في الحالتين حنونًا، بل تعامل برفق ومودّة بالغة مع الابن الأكبر الذي اتهم الأب بالتمييز في المعاملة، وكان بودّ هذا الأب الرقيق أن يعاتب ابنه الأكبر: «مَا ظَلَمْتُكَ! أَمَا اتَّفَقْتَ مَعِي عَلَى دِينَارٍ؟ ... أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ لأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟» (متى 20: 13، 15)؛ فالمال ماله، وهو حرُّ التصرّف فيه، غير أنه لم يظلمه. لقد تجسّد الله لأجل الفريقين: اليهود والأمم، وفي المَثَل عبّر عن ذلك بركض الأب من أعلى إلى حيث الابن المُنهَك من الغربة والخطية. إن الابن الأكبر يذكّرنا بالذين يعاتبون الرعاة لماذا لا يهتمون بهم وهم الأقرب وهم الخدام وهم المجاورون والملاصقون، وكأنّي بهم يقولون: "لا تفتقدوا البعيدين ولا تتلقّوا اعترافاتهم ولا تخدموهم، نحن أولى!" لقد حزن اليهود عندما قُبل الأمم في الإيمان وصاروا شركاء الملكوت (راجع أعمال 11: 2، 3).

ويكفي ما نال الابن من معاناة، غير أن العقوبة التي حلّت به نتيجة الانفصال عن أبيه لم تكن انتقامًا من الأب، وإنما نتيجة لعصيانه هو، وقد بذل الأب طاقة حب جبارة في المرتين. إن اعتذار الابن للأب كان أغلى عند الأخير من الرباط الذي فصمه ابنه، والوصية التي كسرها؛ ودموعنا عادة ما تحنّن قلب الله، والذي يُغلب دائمًا من تحنّنه، فهو القائل لعروس النشيد: «حَوِّلِي عَنِّي عَيْنَيْكِ فَإِنَّهُمَا قَدْ غَلَبَتَانِي» (نشيد 6: 5).

لم يكتفِ الأب بقبول الابن، ولكنّه أدرك أنه يحتاج إلى جرعة كبيرة من الحب والتقدير والكرم، لتعود إليه ثقته في نفسه ويسترد رتبته الأولى، وهذا هو الفرق بين العدل الإلهي والعدل البشري: فالأخير معنيّ فقط بإتمام القصاص، ولكن الله في عدله معنيّ بإعادة الخاطئ إلى مكانته الأولى، هذا فعله الله عندما تجسّد، فلم يكتفِ بأن خلّص آدم وإنما جدّد الطبيعة البشرية، يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: "وعندما سقط .. أردت أن تجدّده وتردّه إلى رتبته الأولى".

إن قصة الابن الضال هي التصوير البديع الذي قدّمه الرب ليصف حال البشرية في فجرها (كان الابن الضال فتيًّا عندما ترك بيت أبيه)، والتي رفضت الشركة مع الرب لتتاجر بمفردها، ويا لها من تجارة خاسرة، فقد فقدت المال والجمال والقوة والنعمة التي كانت تزيّنها، فتلاهت بها الأعداء وافتقرت إلى الخبز وفارقتها الكرامة، ولكن حضن الآب مفتوح ليستوعب كل راجع دون معايرة أو إذلال: «خَطَايَاكَ لاَ أَذْكُرُهَا» (إشعياء 43: 25). لقد كان الابن يراجع النصّ أو السيناريو المُحتمَل بينه وبين الأب عند لقائهما معًا، وقد اختار بعناية الكلمات التي سوف يستدرّ بها عطفه من خلال خُطبة طويلة على ما يبدو، غير أن الأب العجيب أعفاه من الحرج، ولم يدعه يكمل السيناريو المُعدّ، ولم يقبل أن يراه متذلِّلاً، كان كل مشتهاه أن يعود إلى حضنه.
وبينما كان الابن الذي ضلّ يمثّل الأمم الذين تركوا الرب وتردّوا في دروب الوثنية، كان الابن الأكبر يمثّل اليهود الذين ظهروا متعجرفين وكأنهم "يتجمّلون" على الله بأنهم حفظة الناموس والسبت والختان والهيكل، بل وكانوا يصفون الوثنيين بالكلاب والزناة، وهي التعبيرات ذاتها التي استخدمها الابن الاكبر في وصف أخيه العائد: «أَكَلَ مَعِيشَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي» (لوقا 15: 30). وبينما يصف الابن الأكبر أخيه العائد قائلاً: «ابنك هذا» فهو في الواقع يصوّر انقسامات البشر، والذين بدلاً من استخدام "إخوتنا هؤلاء" أو "أخي هذا"، يقولون: "ابنك ذاك" و"أولادك أولئك"، أمّا الأب ففي محبته، ومن واقع مسئوليته وأبوّته، يريد أن يجمع الكل إلى حضنه لتكون رعية واحدة لراعٍ واحد (يوحنا 10: 16). لاحظ أن الأب في عتابه لابنه الأكبر يذكّره بالأخوّة بينه وبين أخيه: «... أَخَاكَ هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالُا فَوُجِدَ» (لوقا 15: 32).

كان الأب يصعد كل يوم ليتشوّف عن بُعد .. يمسح الأفق بعينيه لهفةً على الضالّ، ويداه ممدودتان وأحشاء الرأفة تلتهب داخله، حتى أراد الابن وعاد، واتحدت إرادته مع إرادة ابيه، فحُسب ابنًا من جديد، فالحلّة الأولى والخاتم والعجل المُسمَّن كلها تشير إلى أنه صار ابنًا مكرّسًا متّحدًا بأبيه من جديد.

جاء مثل الابن الضال (في لوقا 15) بعد مثلي "الدرهم المفقود" و"الخروف الضال" ليشرح الرب كم كانت قطعة النقود غالية تستحق التفتيش، وكم فرح الراعي باستخلاص الخروف الضال، فكم بالأحرى الابن الضال وهو خليقة الله المدللة، غير أن الفرق بين القصص الثلاث هو أن الدرهم كان في احتياج إلى من يبحث عنه فهو جماد، كذلك الخروف مع أنه كائن حي إلاّ أنه غير مريد ولا عاقل، ومن ثَمّ احتاج إلى يخرج ليبحث عنه ويحمله على منكبيه، ولكن الابن الضال هو إنسان عاقل ومريد، ولابد أن يتخذ قرار العودة بنفسه، فثمن الحرية أن يختار هو قرار العودة، ولقد منح الأب ابنه حرية الرفض وهي أقصى أنواع الحرية، ومن ثَمّ سيجد الأب في انتظاره. كان ضياع الدرهم مسئولية صاحبته فقط، واشترك الخروف في ضياع نفسه بنسبة ما، فهو يتفوّق على الجماد بكونه كائنًا حيًّا، ولكن الإنسان الذي ضلّ بإرادته يجب عليه أن يعود بإرادته أيضًا. وبينما خرج الراعي بنفسه ليبحث عن الخروف الضال، وقف الأب مادًّا يده إلى ابنه لعلّه "يشفق على أبيه ويعود"، يقول الرب: «طُولَ النَّهَارِ بَسَطْتُ يَدَيَّ إِلَى شَعْبٍ مُعَانِدٍ وَمُقَاوِمٍ» (رومية 10: 21).

إرسال تعليق

0 تعليقات