الثورة النموذجية




كتبها : Oliver

يحتار الناس في تقييم الثورات.يختلفون في تفاصيلها و ينقسمون علي صانعيها.

تختلط علي البعص الأحداث فيمزج بين الثورة و الشر. كأنما الثورة مدخلاً للتعدي علي الحق و هي في الأصل إسترداداً للحق حين يضيع.

لكي لا تتوه منا المقاييس الإلهية للثورة و ضوابطها فلنتابع من سفر الخروج أول ثورة نموذجية منقادة بذراع عالية و يد قديرة هي يد الرب.

بدأ الظلم بالإحتيال من فرعون مصر بعد سنين من موت يوسف الصديق الملك الفعلي السابق. بارك الرب شعب إسرائيل فخاف الملك من هذه البركة. حاول إغتيال البنين و مزيد من القيود علي شعب الله. حاصرهم بقوانين تسمح بإذلالهم بل و قتلهم. فجاء الرد عاجلاً ببركة إضافية و بقدر ما خطط الحكم الظالم لقهر أولاد الله نما الشعب المبارك و إنتشر و كانت البركة أول دفاع عن المظلومين.

أول دعائم الثورة بركة إلهية التي بدونها نفقد التأييد الإلهي لوجودنا. خروج 1.
كانت قابلتان شفرة و فوعة البطلتين. كانتا نموذجين للحماية في صمت. إنتماءهم لشعب الله و ليس لمسايرة قانون ظالم بقتل الصبيان. إستحقتا أن تكونا في سفر الحياة ضمن كلمة الله التي لن تزول لأنهما كانتا أمينتين قدام الله و ضحيا بحياتهما لحماية بنين شعب إسرائيل المواليد الجدد و لم يقتلوهم كما أمرهما الملك مضحيتين بنفسيهما بغير تردد فالطاعة لله أكثر من الناس.
هذه هي الدعامة الثانية للثورة. قلوب مثل شفرة و فوعة تطيع الله و تضحي بنفسها من أجل شعبه في صمت و سرية.

ثم تأتي الدعامة الثالثة للثورة المؤيدة بالرضا الإلهي النعمة الإلهية. نعمة أعطاها لطفل محكوم عليه بالموت. نعمة لإخت موسي في حديثها إبنة فرعون. نعمة في قلب إبنة فرعون جعلتها توافق أن تستبقي الطفل بل تتبناه بل تطلب من أمه أن تدخل بيت فرعون لترضع صغيرها و لا تحرم منه. نعمة تجعل موسي في بيتها يتربي بكل حكمة المصريين. النعمة تدخلنا بيوت خصومنا كالأبطال بكل ترحيب. تسخر لموسي إمكانيات فرعون و هو لم يطلب. النعمة حصن للمقهورين.

لابد من نعمة إلهية لتنجح الثورة خر3: 21. بالنعمة نرى ناجحين عكس سيرالأحداث. كل حالة ناجحة من مسيحيين الشرق الأوسط هي نتاج عمل إلهي و نعمة خاصة في أعين من يضطهدهم فيجد المسئول و الحاكم نفسه ملزماً بقدرة إلهية أن يخدم هذه النماذج و يتبناها علي عكس ما يشتهي قلبه. نجاح البعض رغم العنصرية ضد المسيحيين التي تجتاج الشرق الأوسط هي علامة واضحة علي قدرة نعمة الله. إنها النعمة مانحة الرجاء فلا تسل لماذا هؤلاء فقط نجحوا و ليس الجميع؟ لأن هذه الحالات الإستثنائية قد أوجدتها نعمة الله من أجل أن ينتشر الرجاء و يبق إيماننا ساكن في القلوب بغير تشكك. لنتأكد أن الله يري و يعمل و يرتب الوقت المناسب الثورة المصنوعة بيده. خروج 3.

وسط الترتيبات الإلهية يتعجل موسي الشاب في إستخدام العنف في ثورته علي الظلم و يقتل المصري. الرب لا يوافق و يعاقبه بالنفي أربعين سنة. هرب موسي حسب تصوره لكن هذا كان عقاباً إلهياً علي القتل فحرمه من البلد الذي فيه إسرته و شعبه و أملاكه.

كل إستباق للثورة ضار. كل عنف للثورة مرفوض. الله يرفض أن يتلوث الثائرون بالدم و العنف مهما كانت مظالمهم و مبرراتهم. خر2

راح من قلب موسي شعوره بالظلم. أربعون سنة عاشها في أرض مديان بلا قضية. تأقلم مع غربته. لقد فشلت وسيلته في الثورة فإكتفي بالهرب من كل شيء. بينما الله لا ينس. لا يسكت عن الظلم بل يرتب الوقت المناسب و الشخص المناسب و الوسيلة المناسبة لكي تكون الثورة بكامل أحداثها من صنعه وحده.

الله وحده صانع يوماً للثورات. ظهر لموسي فكانت محادثة موسي للرب كفيلة بتأهيله لكل ما هو مستحيل. سيقف ثقيل الفم قدام الخصم و يفحمه. سيقف غير العارف قدام اللسحرة و يغلبهم. سيقف الأعزل قدام البحر و يشقه. سيقف البسيط قدام الشعب الجارف و يرشدهم. لا مستحيل ما دام الله يتدخل.

بدأ إعلان الثورة علي الظلم بالتفاهمات. أعطي الرب لموسي ما يقوله لفرعون. الوقوف قدام فرعون في حد ذاته لا يمكن أن يحدث إلا بمعونة إلهية. فالمحكوم عليه بالموت لا يمكن أن يصبح نداً لفرعون في بيته لولا أن أخذ من الرب قوة و حكمة.

بدأ الرب بالمفاوضات لعل القساوة تنقشع عن قلب الملك. السلام و المفاوضات مهمة فتغيير القلب أعظم ثورة. تغيير الفكر من الظلم إلي الحق هدف إلهي للخليقة كلها.

لما رفض فرعون سلام الله إستحق ضربات الله. لم يكن للشعب المقهور سوي أن ينتظر يد الله و يتأمل عجائبه. الخوف الحقيقي من شعب يريد الثورة و لا يريد الله. يبصر الظلم و لا يبصر عجائب القدير. فيصبح منعزلاً عن إله يحارب لأجله. متغافلاً عن حق الله الذي إن ضاع منا تضيع معه حقوقنا بأكملها. كان الشعب مضطهداً و أما الرب فقد صار شريكاً له في أرض مصر. لم يتجاهل أنينهم. فالتدخل الإلهي هو قلب و روح كل الثورات. لأن في تدخله ينكسر القساة. تنخلع قلوبهم من رب المظلومين.

ثم تأتي الإنفراجة. يقبل الخصم بأن ينال الشعب حقه في الخروج. التعويضات مع شعبه بأثر رجعي. أموالهم و حقوقهم الضائعة تعود فيخرجون رافعي الرؤوس. فرح الشعب بهذا التعويض. أخذوا ما تصوروه من إستحقاقات. حين تكون الثورة عملاً إلهياً يسترد الضعفاء حقهم كاملاً من الأقوياء دون الحاجة إلي سيف. في ثورة إلهية لا يتجاهل الله الحقوق الضائعة من بداية الظلم إلي نهايته. لكن فرعون يندم بعد إطلاقهم. فيتصور الناس أن الثورة فشلت و إنتكست. تضيع بهجة الخروج مع أن الشعب ما زال سائراً في قاع البحر الأحمر. يتغافل الشعب عن الأعجوبة الخالدة لأنه إنشغل بجنود و مركبات فرعون.

لم يكن مطلوباً من الشعب سوي الثقة بالله و الإيمان بأن الذي إبتدأ يقدر أن يكمل. لهذا تشدد قلب الشعب بموسي النبي. ما كان عليه سوي أن يلتف حول قائده. يتبعه بثقة دون تذمر. يستكمل مسيرته لأن عجائب الله لا تحتمل التشكك. تنتهي الثورة بغرق فرعون و مركباته عقاباً علي قساوتهم و قتلهم لشعب الله سنوات طوال. الله عادل في ثورته علي الظلم. يرد الحقوق و يعاقب الظالمين و يجعل لنا نموذجاً للثورة لو تبعناه نجتاز البحر مشياً تظللنا السماء برضاها و ينير لنا عموداً من نورها.


إرسال تعليق

0 تعليقات