20 عاما على مذبحة الكشح: كيف تحولت إلى جريمة دولة؟





بقلم د. ولــيم ويــصا


الثاني من يناير هو الذكري العشرون لواحدة من أخطر المذابح التي تعرض لها الأقباط في مصر في العصر الحديث، حيث قُتل في نفس اليوم من يناير عام 2000 واحد وعشرون قبطيا في قرية الكشح التي تقع على بعد 440 كم جنوب القاهرة. ولم يرتكب هذه الجريمة الجماعات أو المنظمات الإرهابية التي تستحل دماء الأقباط وممتلكاتهم منذ سبعينات القرن الماضي، ولكن مواطنون عاديون من بين جيرانهم المسلمين، تمكنت العقيدة الوهابية الوافدة من صحراء قاحلة، من عقولهم ووجدانهم ورؤيتهم للآخر المختلف عنهم عقائديا.

ويمكنني القول بعد استقصاء استمر أربع سنوات، ضمنته في كتابي “الكشح: الحقيقة الغائبة”، التقيت خلالها بجميع الفعاليات، بالأهالي من عائلات الضحايا، بشهود العيان، وبالمحامين، وفي ضوء الكثير من الوثائق والمستندات التي حصلت عليها، أن مذبحة الكشح، تحولت إلى جريمة دولة بعد أن تواطأت جميع أجهزتها، من الشرطة والأمن حتى القضاء مرورا بالإعلام ومجلس الشعب، علي إخفاء معالم الجريمة وهروب الجاني من العقاب.

كانت هذه القرية تحمل في الستينات اسم بندر الكشح لكونها مركزا اقتصاديا وتجاريا هاما تتمركز فيه العديد من الحرف المهنية، وكانت مقصدا لسكان القري المجاورة لقضاء حاجياتهم، ولكنها تعرضت منذ الستينات لمذبحة اقتصادية وسياسية بسبب أغلبيتها المسيحية التي تشكل حوالي 75 % من عدد سكانها الذي كان يبلغ حوالي 25 ألفا.

أطلق عليها الإخوان المسلمون في الستينات “تل أبيب” من فرط كراهيتهم لها بسبب أغلبيتها المسيحية ووضعها الاقتصادي المتميز، وعملوا طوال العقود التالية على استبعادها من عملية التنمية، وجرى التركيز في عملية التنمية على قرية صغيرة بجانبها، “أولاد طوق شرق” عدد سكانها حوالي ستة آلاف، تم تسميتها دار السلام، أنشأوا فيها مدارس وقسم شرطة ومستشفيي واستفادت من مشاريع البنية التحتية.

في الأيام الأولي من المذبحة، أعلنت وزارة الداخلية عن مقتل اثنين من الأقباط في مشاجرة بين تاجر أقمشة وتاجر فاكهة، في الوقت الذي تعلن فيه وكالات الأنباء العالمية في تصريحات للأنبا ويصا أسقف البلينا التي تتبعها الكشح، عن مذبحة راح ضحيتها 21 قبطيا.

قبل المذبحة بعام وأربعة أشهر، وتحديدا في أغسطس عام 1998، تعرض الكثير من سكان الكشح لحملة تعذيب على إثر جريمة جنائية عادية، قُتل فيها اثنان من الأقباط بعد عدة أشهر من جريمة الأقصر الإرهابية والتي راح ضحيتها 58 سائحا أجنبيا، وخشت السلطات أن يجري اعتبار قتل القبطيين جريمة إرهابية أخري، فذهبت الشرطة إلي الكنيسة تبحث عن قاتل مسيحي بدلا من البحث عن القاتل الحقيقي.

وفي مسعي خارج قدرة الإنسان علي الفهم ذهب اثنان من ضباط مباحث أمن الدولة، أحدهما برتبة نقيب هو أحمد سمير، يعرضان علي الأب جبرائيل عبد المسيح راعي كنيسة الملاك بالكشح اقتراحا غريبا. يقول له النقيب سمير بالحرف الواحد: “يا أبونا علشان انت متتعبش، وما تتعبناش، والمسيحيين ما يتعبوش ، الموضوع عنديكم”، باختصار يطلبان منه ترشيح قبطي يعترف بارتكابه هذه الجريمة.

وعلى إثر رفض الكاهن لهذا المطلب الغريب، قامت الشرطة بالقبض على 1014 قبطي، وتعذيبهم بطرق عديدة منها توجيه تيار كهربائي إلي العضو الذكري، واطفاء أعقاب السجائر في أجسادهم، وتعليق الأطفال بالمروحة المتدلية من السقف بحبل من تحت أكتافهم وتلف بهم أمام أولياء أمورهم حتى يعترف أحدهم أنه هو أو غيره هو القاتل، وفقا لتقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان.

وتم الحكم بالسجن 15 عاما ضد شيبوب وليم أرسل بتهمة قتل الاثنين. وعندما صدر قرار جمهوري بالإفراج عمن أمضوا ثلاثة أرباع مدة الحكم، وكان شيبوب من بينهم، قام جهاز أمن الدولة بتعطيل الإفراج عنه “لدواع أمنية، ومات متأثرا بالظلم الذي وقع عليه في السجن قبيل شهر من الإفراج عنه بعد قضائه المدة كاملة.

في الأسبوع الأخير من ديسمبر 1999 كان الجو ملتهبا في قرية الكشح بسبب اعتداء علي تاجر قماش قبطي رفض بيع قماش لمسلم بالتقسيط قبل أن يسدد دينه للمحل، فأحضر المسلم بعد ظهر اليوم أفرادا وضربوا التاجر المسيحي أمام ضباط نقطة الشرطة. وإزاء عدم تدخلهم لمنع الاعتداء على القبطي، ثار الأقباط ضد رجال الأمن والشرطة، وقاموا بإزالة أكشاك عشوائية عبارة عن نصبات بدائية أمام محالهم، كان قد صدر ضدها 38 حكما بإزالتها، لأنها تعيق الدخول إلي محالهم التجارية، وهو ما يعتبر في العرف التجاري “محاربة في الرزق”، وبعد أن رفض المحافظ المتعصب مرارا ازالتها تنفيذا لهذه الأحكام.

وأصبح الأمر ملتهبا في القرية بشكل لم يسبق له مثيل، مما أدي إلى استدعاء عدد كبير جدا من رجال الشرطة في القرية خشية من اندلاع أي شرارة لا يحمد عقباها.

في ليلة السبت / الأحد 2 يناير سارت عربات مجهولة في شوارع القرية وفي مدينة دار السلام المجاورة تزعم في مكبرات صوت، بأن الأقباط أحرقوا المعهد الأزهري وقاموا بتسميم شبكة المياه، وتحرض السكان ضدهم، وعلى إثر ذلك بدأت المذبحة صبيحة يوم الأحد الثاني من يناير. وبدأت عمليات القتل ضد المسيحيين عقب قداس الأحد في الساعة العاشرة صباحاً، واستمرت حتى الخامسة مساءً.

ومع بدء إطلاق الرصاص انسحبت الشرطة ولم تتدخل لحماية المسيحيين وإنقاذهم من هجوم بعض من جيرانهم المسلحين عليهم. بل كان بعض الكهنة والأهالي المسيحيون يذهبون مرتاعين إلى نقطة الشرطة وإلى العربات المدرعة خارج القرية طالبين سرعة نجدتهم، ولكن الشرطة كانت تمتنع عن الاستجابة لهم أو الذهاب معهم إلى أماكن القتل والتخريب.

كانت عمليات القتل تدور في بعض المنازل، والبعض الآخر في قلب الأرض الزراعية حيث قتل سبعة من الفلاحين الأقباط في حقولهم ومعهم الطفلة ميسون وعمرها 11 عاما، برصاصات في رأسها. مجموعات تقتل في كراهية وبدون تمييز بين طفل أو رجل أو امرأة. وعثر على بعض الجثث كاملة، والبعض الآخر مقطع الأوصال أو محترق، والبعض الآخر لم يُعثر له سوى على كف بين بقايا رماده.

وفي المنازل التي تمت مهاجمتها، قُتل البعض بإطلاق الرصاص وبالسكاكين، والبعض الآخر حرقا، بسبب الكريات المشتعلة التي كان المهاجمون يلقونها على بعض المنازل. وفي مدينة دار السلام المجاورة (التي أصبحت الكشح تابعة لها إداريا)، شوهد أحد رجال الشرطة وهو ينصح من يلقي الكرات الملتهبة، بأن يتحسب في القائه للكرة المشتعلة، لأن بجوار المنزل القبطي منزلا آخر لمسلم.

ومع ذلك لم يخل الأمر من شهامة ضابطين وبعض الجنود الذين نقلوا ثلاثة من الجرحى بعد أن لجأ إليهم الأهالي وهم على حافة القرية، وكانوا يحملون كل واحد منهم وهم سائرين للخلف في تشكيل دفاعي بظهورهم إلى عربة مصفحة وكأنهم يقومون بعملية عسكرية، بعد أن أطلقت النار عليهم.

في وقت معاصر لما حدث في الكشح كانت الصورة في مركز دار السلام مرعبة. جماهير الرعاع والغوغاء تندفع في مجموعات كبيرة في الشوارع وتقتحم منازل ومحال المسيحيين كأنها في حملة غزوٍ، تقوم بكسر أبوابها ودخولها عنوه والاستيلاء على كل ما يجدونه فيها من أثاث وأجهزه كهربائية وبضائع وأدوية وأجهزه طبية من الصيدليات ومعدات تصوير وقطع غيار للسيارات. ينهبون وكأنهم في حرب مقدسة يستولون فيها على غنائم مملوكةً لكفار. وبعضها كان يتم أمام أعين الأقباط المذعورين غير القادرين على التدخل لوقف عمليات النهب.

كان المسيحيون جميعهم مرتاعين، اختبأ البعض فوق أسطح المنازل والبعض لدى جيرانه المسلمين الطيبين، والبعض الآخر كان يسمح “للفاتحين” أن ينهبوا كل ما يريدون في مقابل عدم الاعتداء عليهم.

وبعد أن اكتملت معالم الجريمة، اتسم التحقيق منذ البداية برؤية سياسية تحاول طمس معالمها، ولم يسع المحققون للبحث عن القرائن أو الأسلحة المستخدمة بجدية. ولهذا لم يُضبط قاتل واحد أثناء ارتكاب أية جريمة قتل ولا بعدها، ولم تضبط بندقية واحدة أو سلاح استخدم في ارتكاب أي من هذه الجرائم، بل أن فوارغ الرصاصات التي قتلت ثمانية في حقولهم وسلمت للشرطة من مذبحة الحقل لم تظهر في التحقيقات أو المحاكمة.

حتى الطب الشرعي لم يكن أمينا في تقاريره حول أسباب القتل. يقول الأستاذ ميشيل بسادة محامي قضية الكشح، أن الدكتور عبد الكريم بيومي رئيس الطب الشرعي في المنطقة شوهد أكثر من مرة في مبني النيابة، وهو أمر محظور قانونا. ويشار هنا إلى أن المحامي بسادة أضطر للهجرة إلى استراليا بعد تلقي تهديدات بالقتل أثناء ممارسته لمهامه في هذه القضية.

وقامت الشرطة بعد ذلك بالقبض العشوائي على عدد من مسيحيي القرية للمساومة بهم في إطلاق سراح المتهمين المسلمين، حيث تم القبض على 98 مسلما وعلى 38 مسيحيا.

وفي المحاكمة بدا من الواضح أن القاضي قد ضمر الانحياز للمتهمين في ضوء سلوكه الغريب أثناء هذه المحاكمة، حيث استمع إلى شهود النفي والاثبات في أخطر جريمة قتل داخل مصر ضد الأقباط في وقتها في خمسة أيام فقط. ثم قام بدعوة أكبر المتهمين سنا من المسلمين ومن المسيحيين، وطلب منهما أن يقبلا بعضهما داخل قاعة المحكمة فيما أسماه “بالوحدة الوطنية”. ويعد ذلك موقفا عاطفيا لا يتفق وضرورة الحياد والنزاهة من قبل القاضي. وأصدر عقب هذا العناق قرارا بإخلاء سبيل جميع المتهمين، وخاصة هؤلاء الذين تلوثت أياديهم بدماء القتلى.. وأصدر في النهاية حكما بتبرئة جميع القتلة، وحكما بالسجن فقط لمدة سنتين على اثنين من المسلمين قتلا مسلما آخرا بطريق الخطأ أثناء هذه المذبحة.

وفي الاستئناف صدر الحكم أيضا ببراءة المتهمين في 27 فبراير 2003. وأشارت محكمة الاستئناف في حيثياتها، ما يشكل إدانة صريحة للشرطة والنيابة، بسبب “عدم ضبط أي من مرتكبي هذه الجرائم متلبسا وعدم ضبط أي أسلحة أو أدوات أو مسروقات رغم ما حفلت به الأوراق من وقائع قتل وحريق وسرقات. (…) واستبعاد النيابة العامة لكثير من الوقائع المبلغ بها وعدم إسناد الاتهام فيها لأشخاص معنيين رغم اتهامهم من ذوي الشأن. وكذلك التأخير في الإبلاغ عن الواقعات والسرقات رغم عدم وجود مبرر لهذا التأخير لثبوت تواجد قوات الأمن بمنطقة الأحداث وفريق التحقيقات من أعضاء النيابة العامة الذين باشروا التحقيق منذ تفجر الأحداث في 31/12/1999”.

وأشارت حيثيات المحكمة على وجه الخصوص إلى أن تحريات الشرطة “شاب معظمها قصور وتناقض يبعث على الشك وعدم الاطمئنان إليها (…) وجانب معظمها الدقة والصواب والتناقض مع بعضها البعض. (…) وجاءت التحريات في كثير من الواقعات قاصرة عن ذكر كيفية وقوع الجرائم التي أدلت بدلوها فيها. (…) وتجهيلها لكيفية وقوعها ومن ثم فان المحكمة لا تعول عليها وتعتبرها مجرد رأى لمجريها”.

وبعد صدور الحكم من محكمة الاستئناف قال البابا شنودة الثالث قوله الشهير أمام هذا الظلم: «نستأنف الحكم إلي الله وحده».

أما مجلسا الشعب والشورى، فلم يتحرك أي من أعضائهما لطلب إحاطة أو لتحقيق في هذه الجريمة، وفقا للتعبير الشهير، «لا أسمع، لا أري، لا أتكلم»، وذلك خلافا لأعضاء في مجالس نيابية خارجية، مثل مجلس اللوردات والكونجرس، الذين وجهوا رسائل للسلطات المصرية تطالبها بالتحقيق في هذه الجريمة. وبرز السيد أيمن نور، الذي وصف نفسه بزعيم المعارضة في مجلس الشعب، محاولا نفي ما حدث من جرائم التعذيب في أحداث الكشح الأولي، مدعيا بأنه “حدث تجاوز من ضابط واحد في حق مواطن واحد”. وقام بزيارة لندن لمقابلة السيدة كريستينا لامب، التي كانت قد نشرت تقريرا في الصنداي تايمز حول التعذيب في أحداث الكشح الأولي، اهتزت له الدولة المصرية. غير أنها رفضت مقابلته وارسلت من يقول له: “أنها استندت فيما كتبته إلى تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان”. وكان سيادته عضوا في مجلس الأمناء وعلي علم بالتقرير الذي أصدرته المنظمة.

ولم يتورع رئيس الجمهورية حسني مبارك في لقائه السنوي بالمفكرين في معرض الكتاب عن اتهام أقباط الخارج “بقبض قرشين” بسبب ردود فعلهم. وقال “إن البعض في الخارج انتهز فرصة الخلاف لإثارة القضية على إنها خلاف بين المسلمين والمسيحيين. (…) وهي “عملية سخيفة”، ولا يصح أن يقبض “شخص ما قرشين” للادعاء بأن هناك خلافاً بين المسلمين والمسيحيين في مصر رغم أن الحادث جنائي”.

وفيما يتعلق بأجهزة الإعلام المصرية، اكتفت جميعها بترديد الرواية الرسمية الكاذبة حول هذه المذبحة مع استثناء نادر، وكانت أداة من أدوات الدعاية السياسة لموقف الأجهزة التي تعاملت مع هذه المذبحة الخطيرة.

وفي الوقت الذي بدأت فيه أجهزة الإعلام الأجنبية والعربية في نشر حقيقة ما حدث، لم نجد في أي وسيلة إعلامية مصرية في الأيام الأولى، أي ذكر لقتل واحد وعشرين مصريا، بل أنها شنت حملة إعلامية ضد الأنبا ويصا والقمص جبرائيل عبد المسيح بسبب تصريحاتهما للإعلام الأجنبي الذي ذهب بعض منه إلى الكشح بحثا عن الحقيقة.

وهكذا تواطأت جميع أجهزة الدولة المصرية، وفعالياتها من القاع للقمة، من شرطة وجهات تحقيق، وقضاء وسلطة نيابية وإعلام، على إخفاء معالم الجريمة وهروب الجاني من العقاب، وتحولت هذه الجريمة من جريمة ارتكبها مواطنون، أهدرت الوهابية عقولهم، وتجذرت كراهية الآخر في وجدانهم، إلى جريمة دولة بكل المقاييس.

إرسال تعليق

0 تعليقات