مسيحيو غزة ينتظرون تصاريح العبور للقدس





3 سنوات مرت منذ استطاعت كريمة ممدوح الذهاب للقدس، لا تنسى ابنة قطاع غزة روائح المدينة العتيقة. يبتسم ثغرها إذ تتذكر شكل الأسواق، صوت البائعين وأجراس كنيسة القيامة، يُغيّم الحزن مرة ثانية حينما تُدرك أنها حبيسة منزلها، لا يُمكنها قضاء عيد الميلاد المجيد داخل بيت لحم، لأن تصريح ذهابها لهُناك لم يصدر لأسباب غير معلومة.

قبل 3 أسابيع، تقدمت الكنيسة الأرثوذكسية بالقطاع بطلب إصدار تصاريح لـ950 من مسيحي غزة، بهدف السماح لهم بزيارة القدس ومناطق مقدسة بالضفة الغربية تزامنا مع عيد الميلاد المجيد. ورغم احتكار الاحتلال الإسرائيلي لمثل تلك الموافقات، قدمت الكنيسة طلباتها لهيئة الشؤون المدنية بقطاع غزة (الارتباط الفلسطيني)، والأخيرة بدورها تواصلت مع سلطات الاحتلال، التي رفضت في الـ12 من ديسمبر الماضي كل الطلبات المقدمة لدواعٍ الأمنية.

لكن ضغطا مارسته الكنيسة الأرثوذكسية ووزارة الارتباط الفلسطيني، نتج عنه موافقة سلطات الاحتلال على إصدار 500 تصريحا، لتُصدر إسرائيل في النهاية 480 تصريحا، بحسب كامل عياد، مدير العلاقات العامة والإعلام بالكنيسة الأرثوذكسية في قطاع غزة، الذي يحكي عن منغصات أخرى يقابلها حتى المسموح لهم بالزيارة، لا تقل عن تلك التي يعانيها المحاصرون بغزة في أيام عيد الميلاد المجيد.

منذ حوالي 14 عاما، يقع القطاع تحت الحصار الإسرائيلي. توقع صاحب الـ48 عاما التضييق هذا العام على سفر المسيحيين "لأن الاحتلال لا يتوقف عن خنق الفلسطينيين بأي الوسائل، فقبل 5 سنوات كان يمنع سفر من هم بين عمر 16 و35 عاما".

حين سافرت كريمة قبل 3 أعوام، اضطرت صاحبة الـ42 عاما الذهاب للقدس والعودة في نفس اليوم، ملتزمة بمواعيد الدخول والخروج من غزة والمرور عبر حاجز إيرز (بيت حانون) الواقع على بعد 10 كيلو متر من غزة، وهو بوابة الخروج الإسرائيلية للذهاب للقدس "وياللي ممكن نستنى عنده ساعات أو وقت قصير.. مفيش موعد محدد".


سنويا، يُعطي الاحتلال تصاريح أو يمنعها دون سبب معلن "كأنها كوتة.. لكن التصريحات الأمنية عشوائية، كأن يعطوا لأب تصريح دون زوجته، أو لأب وأم دون أولادهم، أو للأطفال فقط دون أهلهم، حتى تضمن فعليا منعنا جميعا من السفر، وإلا كيف يسافر الأطفال وحدهم؟".. يقول عيّاد.


يصدر التصريح بشكل فجائي عادة، لذا لا تستعد السيدة الغزاوية نسرين أنطون للرحلة السنوية للقدس "لأنه ما بناخد معنا أي شيء إلا الهدوم". في الطريق يمر المسافرون بحاجز إيرز الذي تسيطر عليه إسرائيل، وعنده يُمنع مرور كل شيء تقريبا "المستلزمات الشخصية زي فرشاة الأسنان والمعجون والمكياج والصابون والشامبوهات وما بيُسمح إلا بموبايل واحد فقط"، يُصبح ذلك أصعب حينما يتعلق الأمر بأطفال نسرين الثلاثة، حين تضطر أحيانا للمكوث عند الحاجز لوقت أطول "وما بيكون معنا طعام أو مياه لأنه ممنوع عند الحاجز".
نسرين عُمرها 38 عاما، كان الوصول للقدس أيسر كثيرا "وانا صغيرة كنا نروح مرة كل أسبوع"، إذ تقطن شقيقتها "دلوقتي بنروح مرة أو بالكتير مرتين في السنة حسب التصاريح"، لا تستطيع التنبؤ بإمكانية الذهاب من عدمه، فقط تُقدم الطلب مع زوجها وبناتها قبل ميعاد عيد الميلاد المجيد بحوالي شهر ونصف وتنتظر.

عام 2017 لم يُصدَر التصريح الخاص بجورج أنطون، زوج نسرين والذي يعمل إداريا بأحد مستشفيات غزة، لكنه ذهب رفقة أسرته العام الماضي. يحمل جورج دائما هم العبور من الحاجز "التفتيش زي المطار وأسوأ أحيانا.. بنمر على ماكينة بالآشعة وبنقلع الأحذية والصعوبة عم بتزيد لما بنروح مع الأولاد.. مبنعرفش نفسر لهم ليش هادا بيحصل".

80 كيلومترا هي المسافة تقريبا بين قطاع غزة والقدس، في المقابل فالتكلفة هي العائق الأكبر، بداية من تدبر أمر المواصلات وحتى المكوث في القدس أو التسوق هناك.

ثمة وسيلتان، إما يستقل الشخص سيارة خاصة من المعبر للقدس "وفي الحالة هادي بيحتاج حوالي 100 دولار أو ما يُعادل 400 شيكل للفرد"، حسب قول جورج، لذا حينما تسافر كريمة لا تتحمل المبلغ المالي بمفردها "بروح تبع رحلة وبنقسم تمن السيارة علينا"، تدفع السيدة 300 شيكل للمواصلات ذهابا وإيابا.

بالنسبة لجورج فالرحلة تتعلق بخمسة أفراد "إذا بدنا نوصل في سيارة خاصة من معبر إيريس للقدس بنحتاج حوالي 100 دولار"، فيما تُصبح التكلفة حوالي 80 دولارا إذا استقلت العائلة حافلة عامة "في كل الأحوال المشوار بيكلف"، لا يمكث جورج وأسرته في فندق، بل عند أقاربهم أو تستضيفهم الكنيسة في غُرف تابعة لها "هاي بيكون موسم أعياد والأسعار عالية بتبدأ من 90 دولار لليلة الواحدة في الفندق"، يقول صاحب الـ38 عاما إن بعض الفنادق تضع تسعيرة خاصة لأهل غزة "لأنه الأسعار في القدس عموما أغلى من عندنا بكتير".

لا تكون تلك الأزمة الوحيدة، فعدم اصطحاب أي متعلقات شخصية يُجبر جورج ونسرين على شراء كل شيء من القدس "وطبعا لازم بيكون فيه فُسح مش فقط زيارة الأماكن الدينية لأنه هاي هي الفرصة الوحيدة للبنات إنهم يخرجوا"، يُرتب الأب والأم جدول الرحلة، لا ينسون زيارة حديقة الحيوان "عشان ما عندناش بغزة واحدة" والمتنزهات العامة ومناطق ألعاب الأطفال "بنفرجيهم بلدهم.. لحتى تبقى بذاكرتهم الإشيا الحلوة زي ما الإشيا الصعبة بذاكرتهم أيضا"، يقول جورج.

رغم أن التكلفة كانت مرتفعة على كريمة عام 2016، لكنها اشترت تذكارات عديدة من القدس " شموع ورموز مقدسة مثل الصلبان والمسابح ولازم صوّر كتير عشان تبقى الصور ذكرى حلوة"، لم يُنغص الرحلة سوى عدم وجود زوجها "كنت بمفردي".

الغصة لا تفارق نفس عياد أيضا، فهو لم يحصل على تصريح ذلك العام "ليس معقولا أن يزور مسيحيو العالم من كل حدب وصوب القدس، ويمنع على أهل غزة نفس الزيارة داخل بلدهم"، يستشهد مدير العلاقات العامة والإعلام بالكنيسة الأرثوذكسية بحق الفلسطينيين حسب اتفاقية أوسلو، وهو اتفاق سلام وقعته إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، ليضمن حرية التنقل والعبادة للفلسطينيين من وإلى قطاع غزة "لكن كعادتها تضرب إسرائيل عرض الحائط بكل القوانينوالمواثيق الدولية"..

كانت آخر زيارة لصاحب الـ48 عاما إلى القدس، قبل 3 سنوات، يحتفظ عقله بتفاصيل الرحلة .

انطلق عياد يومها من قلب غزة، نحو معبر بيت حانون (إيرز)، تم تفتيشه ذاتيا، قبل مروره على جهاز الكشف الأمني، فيما تم اصطحابه إلى غرفة أمنية، ومن وراء زجاجها، طلب منه إسرائيليين أن يتجرد من ملابسة، نفذ الأوامر مرغما، فلم يكن يريد أن يمنع عن القدس، وبعدها انطلق إلى الضفة الغربية.

عندما يسافر فيها عياد يكون أمامه أحد خيارين، الأول قضاء اليوم في القدس وزيارة كنيسة القيامة في بيت لحم، ثم العودة إلى غزة مع نهاية اليوم، والثاني الحجز في فندق وقضاء عدة أيام، حيث تتراوح مدة التصريح الإسرائيلي ما بين 10 أيام لـ3 أسابيع "لا يسمح طوال الوقت بمثل هذه الزيارة، وبالتالي تكون فرصة لا يمكن تضييعها أبدا"، لكن الفرصة تحتاج إلى أموال "قد تصل إلى 1000 دولار (حوالي 16000 جنيه مصري) شاملة الفندق والتسوق والتنقلات والهدايا للشخص الواحد.. بعض الفلسطينيون يحتاجون عامين من الادخار لتوفير هذا المبلغ".

سعادة كبيرة، يلمسها الرجل في القدس، وخاصة بأوقات التسوق "وشراء تمثال سيدتنا مريم والمسبحة وسانتا كلوز"، فرغم توافر نسخ تلك الهدايا بالقطاع المحاصر "لكن التسوق من القدس له طعما آخر، كأن تسافر كمصري من القاهرة إلى الإسكندرية وتعود لزوجتك وأولادك بأكلة سمك طازجة".

ممارسة الشعائر الدينية في غزة ليس بقدر حلاوتها في القدس، بنظر عياد. رغم ذلك لم يثنيه المنع الإسرائيلي، عن نشر بهجة عيد الميلاد داخل منزله بغزة، ورسمها على وجوه أسرته "زوقت المنزل، وأحضرت شجرة الميلاد، وسنشتري وزوجتي ملابس العيد والشكولاتة لأطفالنا، وسنفرح مع جيراننا".

بتعبير آخر، يقول الأب مانويل مسلم، عضو الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة المقدسات: "نحن شعب حي.. نسلم الراية من جيل إلى جيل".

لا يقتصر الأمر على العيد، يذكر مسلم حرمانا آخر مترتب على منع مسيحي غزة من السفر للقدس "أهالي غزة ليسوا مقطوعين من شجرة، فلهم أهل وأحباء وأصدقاء، لكنهم ممنوعين عليهم، فكانوا ينتظرون موسم العيد للالتقاء بأحبائهم، فهناك من لهم أولاد يدرسون بالضفة الغربية أو بنات متزوجات هناك، وبالتالي حرمانهم من هذه العواطف هو حصار أبعد من الحصار الأمني"، تفهم نسرين هذا الشعور جيدا، تجمع لأختها كل حكايات العام لتقصها عليها في الزيارة السنوية للقدس "مش كتير حاجات ينفع نحكيها هاتفيا"، تسعد برؤية أولاد أختها، ذلك ما يهون عليها مشاق الرحلة.

في الزيارة، يقوم جورج زوج نسرين، بدور الأب والمرشد السياحي والديني، يشرح لبناته الثلاث -تبلغ أكبرهن 8 سنوات- تاريخ القدس، يحكي لهم أن ثمة احتلال للأراضي الفلسطينية "ونحنا بندفع تمن حملنا للهوية الفلسطينية"، يُعرفهم على الأماكن التي سار فيها السيد المسيح، يُخبرهم أن تعاليم دينهم تقتضي كراهية الفعل الخاطيء وليس صاحب الفعل، يُفشي السلام بقلوبهم الصغيرة رغم كل شيء، يلتقط لهم الصور "حتى بيكبروا على وعي بهادي المناطق والحفاظ على قدسيتها وأهمية إنهم يتواجدوا فيها".

الحياة في غزة ليست يسيرة، أحيانا تراود الأب والأم فكرة الرحيل عن القطاع "وده من حرصي على عائلتي بأن تحيا بكرامة دون معاناة من مرارة الاحتلال والحرب والحواجز، خصوصا لما بحس بعجز عن حمايتهم أمام منع الحركة وقصف الطائرات ومرار وتكرار الحروب"، لذا فالذهاب للقدس "بيخليني أحس إني مش سجين".


لا تتذكر نسرين عدد مرات الذهاب للقدس "وما بتذكر أيضا عدد مرات الرفض"، يرتاح قلبها حين تحصل الأسرة بأكملها على التصريح "إنه حتى لو هنقعد هناك يوم فهنشوف حاجات جديدة ونقابل الأحباب"، فيما تزداد فرحتها حين تزور المقدسات الدينية أكثر من مرة "يعني إذا بنقضي أسبوع الألام هناك بيكون له طعم مختلف"، جورج أيضا يعود طفلا حين يشهد احتفالات الكشافة في القدس وقت الميلاد المجيد "ناس من كل العالم واستقبال البطريرك والزينة الجميلة في الشارع وزينة المحلات.. شيء بيهون علينا كتير".

حتى الآن، لم تصدر التصاريح سوى لصغيرات جورج ونسرين، ينتظران أي جديد في الأيام القادمة، لكن الأم تضع خططا بديلة دائما، فحين لا يحالف الحظ الأسرة في الذهاب "بنعمل كعك للعيد وبنزور البحر.. بنحسس بناتنا بيه لأنهم ما إلهم ذنب".

إرسال تعليق

0 تعليقات