الفلاح الفصيح فى مصر القديمة





بعد الانهيار الدرامي للدولة القديمة عام 2268 قبل الميلاد دخلت مصر مرحلة يطلق عليها علماء المصريات "العصر الانتقالي الأول" ، تفتت فيه المركزية واستقل أمراء الأقاليم بالحكم ، وفي الفترة ما بين 2134 إلى 2040 قبل الميلاد أي عصر الأسرة التاسعة والعاشرة كانت مصر حبلى بغدٍ جديد ومقدماته تمثلت في حصول الفلاح على المزيد من الحرية وبفضل الضغط الشعبي تم الاعتراف بعبادة أوزير ومقرطة العالم الأخر.

أهم إنجازات المصريين في هذا العصر تحررهم النسبي من القوالب الفنية الجامدة التي سادت عصر الدولة القديمة الصارمة في مركزيتها ، فتزينت مقابر هذه الفترة بالرسوم التي تعكس نسق الحياة وخصوبتها .

من هذا العصر وصلتنا كتابات عديدة تعكس المخاض الذي عاشته البلاد مثل تعاليم " إيبور" وتعاليم "مري كا رع " وشكاوي الفلاح الذي وصلتنا مكتوبة بالخط الهيراطيقي على أربع برديات ، ثلاث منها محفوظة في المتحف المصري ببرلين تحت الأرقام: 3032 ، 3035 ، 10499 ، والرابعة محفوظة في المتحف البريطاني تحت رقم 1027 ، وقد ساعد تكرار النسخ في الحصول على النص شبه كامل .

زمن كتابة النص يرجع إلى عصر الدولة الوسطى بعد أن تم إعادة توحيد البلاد تدريجياً بقيادة الصعيد ، أما زمن الحكاية فيعود إلى نهاية العصر الانتقالي الأول .

والنص معروف باسم "شكاوي الفلاح الفصيح" ، أما في الأصل فهو بدون عنوان. رغم أنه لا دليل على إن كاتب النص هو أحد الفلاحين وعلينا ألا نقع في خطأ افتراض أن هذه الشكاوى قد نظمها أحد الفلاحين المصريين بل هي من صياغة أحد الكتبة بهدف تملق الحاكم
شخوص الحكاية .

خون إنبو: فلاح من وادي النطرون ، معنى الاسم أنوبيس يحمي .

مريت: زوجة الفلاح ، معنى اسمعها جميلة .

نمتي نخت: أبن أحد الموظفين ويدعى إسري ويعمل لدى رئيس البلاط الملكي .

مرو بن رنسي: رئيس البلاط الملكي .

الملك: نب كاو رع ، من ملوك الأسرة العاشرة (2134 إلى 2040).

جغرافيا الحكاية وقعت فى "سخت حمات": من الممكن ترجمتها إلى "حقل الملح" وهي وادي النطرون اليوم .

بر ففي: يعتقد أنها تقع بالقرب من البدرشين وهي في النص تقع شمال مدنيت ، وإن صح ذلك فهي تقع شمال الإقليم الثاني والعشرين من أقاليم الصعيد .

نني نسو: وهي عاصمة مصر آنذاك وكان يطلق على العاصمة اسم مصر القديم "كمت" (في القبطية : كمى)، وهو تقليد مازلنا نحافظ عليه بتسمية العاصمة مصر .

بطل الحكاية "خون إنبو" لاحظ إن مخزون الحبوب يكاد ينفذ في بيته فحمل على حماره بعض من منتجات قريته لمقايضتها بالطعام في العاصمة إهناسيا ، وفي الطريق يتعرض لمكيدة "نمتي نخت" ويسرق حماره ، فيذهب الفلاح إلى رئيس الموظفين وهو رئيس بلاط الملك "مرو بن رنسي " ويشكو له الظلم الذي وقع عليه وينظم مرافعته في قالب شعري مطالباً إياه تحقيق العدل ويصل الأمر للملك "نب كاو رع " فيأمر بتجاهل الفلاح حتى يكمل مرافعته وكتابتها وفي نفس الوقت يأمر بتزويد أسرة الفلاح بالطعام حتى يعود .

إلى هنا تنتهي المقدمة التمثيلية (الحبكة) التي تخدم الهدف الأساسي للنص وهى المرافعات التسع للفلاح التي تتأرجح بين المديح والهجاء ، ويتجاوز فيها الفلاح سقف مأساته ويتناول كل التجاوزات في المجتمع ، لكن بالطبع دون التعرض لأسس النظام نفسه. وبعد إلقاء المرافعة التاسعة يأس الفلاح من استعادة حقه وضاق بصمت رئيس البلاط فقرر الذهاب إلى أنوبيس الإله الحامي للموتى ليشكوه فيخرج الرئيس من صمته ويحقق في قضيته ويعاقب الجاني ، والبعض يفسر خروج رئيس البلاط عن صمته أن يكون الفلاح قد نوى الانتحار لقابلة أنوبيس .

إرسال تعليق

0 تعليقات