لمحة عامة حول تمكين المرأة في العالم الأفرو- عربي




بقلم : أشرف شوقي

ينظر الى قضية المرأة بشكل مختلف في سياق العلاقات الاجتماعية بما في ذلك الأنشطة الاقتصادية. وقد شكل هذا عائقا حتى في ظل محاولة الحركات الديمقراطية توسيع قاعدة المشاركة الشعبية للمرأة. ويخطئ من يفترض بان مشكلة المرأة الافرو- عربية قد تم حلها بالكامل من خلال المبادرات المختلقة للانعتاق: مؤتمر بيجين 1975، 1985، 1995 والعقد الدولي للمرأة والاستراتيجيات الخاصة بتسريع تعليم الفتاة.. الخ.) أو من خلال الجهود التعاونية للمنظمات الحكومية والغير حكومية. يظل هناك بعض أشكال عدم المساواة والفصل والتي تم تثبيتها على مدى قرون من الزمن وتعزيزها من خلال الهياكل التي يسيطر عليها الرجل على الرغم من وجود الأدوات المخالفة الصادرة عن الأمم المتحدة والجهود المشتركة للحكومات الأفرو-عربية والعديد من المنظمات الغير حكومية الهادفة إلى القضاء على التمييز ضد المرأة.

وتعتبر العديد من النساء الإفريقيات والعربيات والمجتمعات التي يعشن فيها في حالة أسوءا اليوم من تلك التي كانت سائدة قبل عقد مضى، بالرغم مما وفره برنامج عمل بيجين والالتزامات الحكومية المختلفة الناشئة منه والتي قدمت في المؤتمر الدولي أو التصديق من قبل الأمم المتحدة أو الأجسام الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي والإعلانات الصادرة عن الدول الأعضاء. فبالنسبة لملايين من النساء الأفرو-عربيات، لازال الجوع والعنف والفقر والتهميش والحرمان والتمييز حقيقة يومية ماثلة.

ولم تحقق المرأة الأفرو-عربية أي مكاسب ذات معنى من جراء النمو المستدام في الإقتصادات الوطنية خلال الأعوام الماضية. فقد أدت عمليات التحرير والخصخصة وأنماط هجرة العمالة والتغيير الناتج عنها في بناء الأسرة إلى زيادة التهميش للمرأة. واليوم تعتبر المرأة العمود الفقري للاقتصاد الغير منظم وخاصة في القطاع الزراعي، لكنها غير قادرة على الوصول إلى موارد الإنتاج بما في ذلك الإقراض والأرض والدعم الفني والخدمات الداعمة.

المراة والتمكين السياسي

ونجد أن ما حققته الدول الأفريقية والعربية من انجازات ملحوظة هي في مجال زيادة نسبة مشاركة المرأة نتيجة للحصص التي خصصتها الحكومات للمرأة في المجالس الوطنية والتشريعية. فحصة المرأة في أفريقيا من مقاعد البرلمانات على سبيل المثال، ارتفعت من 7% عام 1990 إلى 17% عام 2007 ( يونيفيم، 2008) وهذا ينسجم مع التقدم المحقق على المستوى العالمي. ويأتي ترتيب رواندا اليوم من بين أوائل الدول في العالم من حيث عدد النساء المنتخبات إلى البرلمان حيث يفوق عدد النساء عدد الرجال في البرلمان كما بينته النتائج المؤقتة للانتخابات. وفي نفس السياق فقد خرجت من أفريقيا أول امرأة رئيسية لليبريا بشخص الين جونسون سيرليف. كما أن العديد من النساء الأفريقيات قد حققن مكاسب انتخابية في مواقع صنع القرار فهناك قيادات نسويه بارزة مثل نائية رئيس جنوب أفريقيا السيدة/ فومزيل ملمبونغكوكا ورئيسة وزراء الموزمبيق السيدة/ لويزا دياغو. كما أن البعض قد خدمن في مواقع الرئيس بالإنابة في بوروندي وغينيا- بيساو. ويعتبر انتخاب السيدة الين جونسون سيرليف رئيسة لجمهورية ليبيريا العلامة البارزة الكبرى للمرأة في أعلى مستويات السلطة في أفريقيا.

وفي معظم الدول العربية تقريبا تم تقديم امتيازات انتخابية للمرأة ولم يتبقى سواء المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة حيث لا يسمح للمرأة التصويت أو الترشح ذلك لأنه لا يوجد في كلا البلدين مجالس تشريعية منتخبة. وقد تحسن الوضع قليلا في الكويت بالفوز الذي حققته المرأة في الانتخابات الأخيرة التي أجريت هناك.

وعلى أي حال فان ملاحظة تقرير التنمية البشرية العربي لعام2005 حول بقاء العملية السياسة العربية بعيدة كليا عن التمثيل الحقيقي للمرأة واحتياجاتها وهمومها. ويؤكد التقرير أيضا أن تمثيل المرأة في المواقع القيادية يبقى إلى حد كبير تمثيل تجميلي بوجود القليل من النساء في مواقع قيادية من دون أي سلطة حقيقية. كما أن التقرير يؤكد أن القرار الحقيقي في العالم العربي، على جميع الأصعدة، لازال في يد الرجل حيث يحاجج التقرير ان وجود المرأة في اغلب الأحيان هو وجود رمزي من خلال وجود امرأة أو اثنتان في حقائب وزارية صغيرة مثل وزارة المرأة / الشئون الاجتماعية ومشروطة أيضا: تعتمد على حجم الضغط المحلي والخارجي خلال فترة التعيينات كما أنها خاضعة لمزاج القيادة التي يسيطر عليها الرجل.

ويشير التقرير أيضا إلى أن بعض الحكومات العربية تقاوم عملية تمكين المرأة لان توسيع المشاركة للمرأة في السياسة سيشتت السلطة بشكل أوسع على جميع الأصعدة في المجتمع وبالتالي تقليص سيطرة القادة الحاليين و هذا ما ينطبق على أفريقيا كذلك.

في غالبية المجتمعات حول العالم، ولقرون عديدة، ظل النطاق السياسي يحدده ويسيطر عليه الرجال الأقويا، وبالتالي فان غياب المرأة في الهياكل السياسية الثابتة يعزى إلى القوى الأبوية والإقطاعية والرأسمالية والتي أبقت المرأة خارج نطاق المحيط العام وحصرت عملها داخل الأسرة أو في الأعمال الدنيا قليلة الأجور . كما أن الدراسات تشير إلا أن الاستعمار كان عاملا لإخضاع المرأة واستثنائها من السياسة.
وكاستجابة لغياب السلطة لدى المرأة، فقد أصبح مفهوم ” التمكين” قضية مركزية في تعريف السياسة من قبل المناصرين لمساواة المرأة.

فالتمكين يؤخذ على انه عملية يتم من خلالها اكتساب شخص مضطهد بعض السيطرة على مجريات حياته من خلال المشاركة مع الآخرين في تطوير الأنشطة والبنيان التي تتيح للشعب مشاركة اكبر في الشئون التي تؤثر عليه تأثيرا مباشرا. ومن خلال التمكين للمرأة اجتماعيا، فالمقصود هو تحرير المرأة من العمل التقليدي الممل داخل الأسرة، ومع الوقت يمكن أن تشارك في العمل السياسي الذي يسعى إلى تحقيق مصلحتها في المستويات المحلية والوطنية والدولية وفي جميع الأصعدة السياسة بفعالية كبرى ، أي إن العملية المتعلقة بتوليد واستخدام القوة لإحداث التغيير الاجتماعي هو نشاط سياسي.

لا يمكن الحصول على تنمية حقيقة عندما تكون المرأة، والتي عادة ما تشكل نصف المجتمع وفي حالة جنوب السودان 60% من المجتمع، مستبعدة من السلطة ولا يتم تمثيل احتياجاتها ومتطلباتها بكفاءة ولا تتخذ القرارات التي تأخذ بعين الاعتبار مصلحتها. فينبغي على المرأة أن تستمر في سعيها لتغلب على التحديات الجديدة لتعزيز سلطتها ومكانتها حتى ولو كانت الفرصة السياسية المتاحة أمامها ضئيلة. وفي ذات الوقت فان مجرد حضورها لا يضمن التغيير لصالح المرأة فحسب، بل يتيح لها استعراض قيادتها السياسة السليمة وإدراكها بحاجة المرأة وأهمية المساواة بين النوع الاجتماعي والتي بمجملها تفتح الأبواب أمام الأجيال الجديدة من القيادات النسائية.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الحالة الصحية للمرأة الأفرو- عربية على ضوء المعايير القياسية الدولية لحقوق الإنسان حول الحق بالصحة، يمكننا أن نرى بوضوح بان حقوق المرأة في الصحة قد تم انتهاكها وتجاهلها. ففي السودان – على سبيل المثال، أسهمت الحرب الأهلية وانتهاكات حقوق الإنسان في خلق واقع يتسم بالجوع المزمن والأزمات الاقتصادية وخسائر كبيرة في الأرواح وانتشار الإمراض، ومما فاقم الوضع، غياب الدواء والمرافق الصحية والتي تحملت المرأة العبء الأكبر منه جراء ذلك. وبالرغم من أن صحة جميع الناس تتأثر من جراء الحروب، إلا أن صحة المرأة تتأثر بشكل اكبر. وعلى سبيل المثال، إذا ما مرض الأطفال أو المسنين في الأسرة، فا العبء الأكبر يقع على المرأة للعناية بهم خاصة وان إمكانية الحصول على العناية الصحية المناسبة صعبة بسبب عزلة جنوب السودان وغياب وسائل النقل المناسبة مما يؤدى إلى تدهور الوضع الصحي للناس وبالتالي فان المرأة تستمر بالمعاناة التقسية والبدنية.

وهذا الوضع مخالفة صارخة لحكم المادة رقم 16(1) و (2) من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والمادة رقم 12(1) و (2)، د) من العهد الدولي حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

فلكل ثقافة عادتها ومحرماتها وما يميز الثقافة الإفريقية هي أنها تفرض محرمات على المرأة وخاصة أثناء الحمل والتي تضر بالمرأة. على سبيل المثال، في بعض الثقافات لا يسمح للنساء تناول البيض أثناء الحمل كونها حامية الحياة.

وفي بعض الثقافات يفرض على المرأة أن تتزوج في سن مبكر لكي تمارس المعاشرة حتى قبل أن تنمو أعضائها الإنجابية مما يشكل خطرا على صحتها أو حياتها أثناء الحمل أو أثناء لولادة. كما أن الاعتقاد السائد في الحصول على ابن لتامين مستقبل الأسرة يشجع المرأة على إنجاب العديد من الأطفال وتكرار الحمل حتى قبل أن تتعافي بالكامل من الحمل السابق، الأمر الذي يحمل في طياتها خطورة بالغة على صحتها ومع ذلك فان الأمراض المرتبطة بالولادة لا يعترف بها بشكل كافي في المجتمعات التقليدية ، الافرو-عربية.

وفي كثير من الثقافات، فان المرأة تعتبر الشريك الأضعف في الزواج بحيث يعتبر كل ما تمتلكه من حق زوجها وأسرته، وكان يعتبر ذلك في الماضي نوع من الحماية للمرأة في سياق الأسرة الممتدة؛ بينما اليوم – حيث أصبحت الملكية للأرض ملكية فردية وبالتالي أصبح الفقر يؤثر على الفرد- تجد المرأة نفسها مهمشة بالرغم من أنها المنتج الأساسي للسلع الزراعية.


لقد ظلت المرأة، ولفترة طويلة من الزمن، معتمدة على الرجل التي تعتبره على أنه المصدر الوحيد لأمنها إلا أن هذا يتغير في عالم اليوم مع زيادة عدد النساء اللاتي تعيل الأسرة وتوفر الدخل والخدمات التي تحتاجاه أسرتها. ففي مثل هذه الأسر فان صحة جميع أفراد الأسرة يصبحون عرضة للخطر عندما لا تتمكن المرأة من الوصول إلى مرافق العناية الصحية لأي سبب من الأسباب.

تنص المادة رقم 26(1) و (2) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة رقم 13(1) من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق كل إنسان بالتعليم وتحث الحكومات على إتاحة التعليم للجميع. ولكن بالنظر إلى وضع المرأة الافرو- عربية في ضوء أحكام هاتان الاتفاقيتان، يمكن للمرء أن يحاجج بان حق المرأة في التعليم قد تم انتهاكه أيضا. وبدون ذكر المكاسب، تبقى مسالة الأمية هي لب مشكلة التمكين في الدول الإفريقية والعربية حيث لازالت غالبية النساء والبنات في هاتين المنطقتين تتصارع مع مشكلة المهارات الأساسية للقراءة والكتابة ( اليونيسيف، 2003، وحيث يشير إجمالي معدل الالتحاق (2001) بان 71% من الأطفال خارج النظام الدراسي من البنات. ووفقا لأرفولARFOL (2000) فان معدل محو الأمية يقدر ب 85% بين الرجال و41% فقط بالنسبة للنساء في نيجيريا. ويضع تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2002 نسبة الأميات عند 57% بينما نسبة الأميين 34% فقط. وفيما قد يبدو هذا الفارق غير مهم، إلا انه يعتبر غير مقبول للغاية إذا ما أردنا تحقيق الأهداف الألفية للتنمية. ففي نيجيريا تشكل المرأة والبنات ما نسبته 49.69% ( سابا 1993) من إجمالي عدد السكان. وتشكل نسبة الأمية بين النساء 61% من أحمالي عدد السكان مقابل 37.7% في أوساط الرجال. وهذا يبين أن هناك تمييز ضد المرأة في إمكانية الوصول إلى الخدمات التعليمية لأسباب اجتماعية واقتصادية. وأفظع نوع من هذا التمييز ربما يكون في منع البنات من الالتحاق بالمدرسة في بعض المجتمعات، وربما أن هذا قد أدى إلى إلحاق أفدح ضرر اجتماعي في القرن العشرين عندما تحرم مجموعة كاملة من الإناث من حقهن في التعليم بسبب الفروق الاجتماعية.

فهناك مجموعة واضحة من المشاكل تعاني منها المرأة الإفريقية والعربية وجميعها بسبب الأمية. ويعني هذا بالضرورة أن الجز الأكبر من عملية التمكين يعتمد على تعليم المرأة. وتكمن جذور المشكلة في الأهمية التي تضعها المرأة ذاتها في التعليم حيث وان غالبة النساء يعتقدن إن حياة المرأة الناجحة تكمن في محيط أطفالها وزجها والأعمال المنزلية حيث يمنع غياب الطموح الشخصي للمرأة من التفكير في متابعة الأهداف والغايات التعليمية والتي يمكن أن يكون له الأثر الأكبر على حياتها. أما في حالة المرأة العاملة في الحضر فهناك ميل إلى التخلي عن متابعة مزيد من التدريب بسب ضغط العمل والمنزل والأسرة والتكاليف المبالغ فيها في التعليم العالي.

إن الفكرة العامة من التعليم ومشاركة المرأة سياسيا على قدم المساواة مع الرجل، يدفع الرجل إلى التفكير بان المرأة تنافسه وان المرأة لا ترغب في الحفاظ على دورها التقليدي في تربية الأطفال وتحمل المسؤوليات المنزلية. وقد أدى هذا الاعتقاد الخاطئ إلى زيادة تردد الرجل في الزواج من المرأة المتعلمة ويفضل الزواج من النساء الغير متعلمات أو ممن لديهن قليل من التعليم لكي تركز جل جهدها عل المنزل، عل سبيل المثال.

كما أن هناك مخاوف بأنه إذا ما سمح للبنت الذهاب إلى المدرسة فلن تحترم المعايير الاجتماعية والأخلاقية وإنها يمكن أن تجلب العار على أسرتها فضلا على أن الأطفال من البنات يتحملن مسؤوليات ثقيلة في المنزل من خلال مساعدة الأم في العناية بالأطفال وتحضير الطعام والنظافة والغسيل ..الخ.

إرسال تعليق

0 تعليقات