قباب بيلوس اليونانية.. حكايات جديدة للتاريخ القديم




تقرير: يمنى الحديدى

بين الحين والآخر يخرج التاريخ عن صمته، ويكشف لنا عن حضارات أنارت العالم القديم، وكانت على اتصال وتأثرت ببعضها البعض، واليوم فى مدينة بيلوس القديمة فى اليونان، تم اكتشاف مقبرتين تحكيان لنا رواية جديدة.

قام فريق من علماء الآثار اليونانيين بالتنقيب والكشف عن مقبرتين فى مدينة بيلوس القديمة فى جنوب اليونان، الأمر الذى أكد أن هذه المدينة لعبت دورا رئيسيا فى الحضارة الميسينية، أقدم الحضارات فى اليونان وأوربا، وتعود إلى العصر البرونزى، بدأ بناؤها فى ٧٠٠٠ قبل الميلاد، وأصبحت فى أوج شهرتها من الألف الثالث قبل الميلاد إلى الألف الأول.

تتخذ المقبرتان شكل قبة قمتها مثلثة، ولكنها تعرضت للانهيار، يبلغ قطر المقبرة الأكبر حوالى ٣٩ قدما، والأصغر حوالى ٢٨ قدما.

وبحسب تصريح العلماء فإن هاتين المقبرتين تعرضتا للسرقة فى العصور القديمة، لكن بالرغم من ذلك فقد وجدوا العديد من قطع ورقائق الذهب، والصفائح الذهبية الموجودة على الأرض، والتى ربما كانت مصدرا لبصيص من الضوء فى الغرفة المعتمة.

كما وجدوا أيضا خرزا من العنبر، بالإضافة للعقيق والملكيت، وقلادة ذهبية على شكل الإله المصرى حتحور، الأمر الذى يشير إلى أن المدينة القديمة بالميناء الخاص بها كانت على علاقات تجارية وطيدة مع مصر والشرق الأدنى، غالبا فى فترة ١٥٠٠ قبل الميلاد، وهو التاريخ الذى تعود إليه المقبرتان.

تم اكتشاف المقبرتين على يد الفريق المكون من الزوجين جاك دافيس وشارون ستوكر، المتخصصين فى الآثار فى جامعة سينسيناتى، واللذان يعملان فى هذا الموقع منذ عام ١٩٩٢.

وفى ٢٠١٥ اكتشف الزوجان “مقبرة الرمح” خارج قصر بيلوس القديم مباشرة، وقد تم دفن الشخص الموجود مع سيف طويل من البرونز وثروة كبيرة من الأعمال الفنية اليونانية القديمة من الحضارة المينوية. وأطلقوا على هذا الشخص المحارب جريفين، وذلك بعدما وجدوا رسما لوحش أسطورى نصفه نسر ونصفه أسد محفورة على لوح من العاج فى المقبرة.

وتعود مقبرة المحارب جريفين ومقبرتا القباب إلى الفترة من العصر الحجرى أو الخزفى إلى الفترة الهلادية. والتى امتدت غالبا من ١٦٠٠ إلى ١٥٠٠ قبل الميلاد، وبالرغم من وجود خلاف حول التواريخ الحقيقية، إلا أن هذه الحقبة تحظى باهتمام كبير، لأنها توضح تكوين الحضارة الميسينية، التى استمرت من ١٦٠٠ إلى ١٢٠٠قبل الميلاد، ودفنت مدنها الرئيسية تحت التراب فى كارثة غير معروفة الأسباب.

بدأ التاريخ القديم لليونان بالعصر المظلم الذى استمر قرابة ٧٠٠ عام، تبعه عدة حقب زمنية حتى الحقبة الميسينية، التى تميزت بقصص الأبطال التى وردت فى الأشعار الملحمية لهوميروس.

من هؤلاء الأبطال قصة أجميمنون، ملك المدينة، الذى قاد الجيوش لإعادة الأميرة “هيلين” من طروادة، كما تم التنقيب عن الآثار المعمارية الضخمة بما فى ذلك المقابر المقببة فى ميسين فى القرن ١٩.

يثير الاكتشاف الحديث استفسارا عما إذا لعبت المدينة القديمة دورا رئيسيا فى الحضارة الميسينية، وإذا ما تمتعت بمكانة خاصة فى بداية هذه الحقبة أكثر من مدينة ميسين نفسها، لذا صرح دكتور ستوكر بأنه يجب أن نعيد التفكير فى تكوين الحضارة الميسينية، وعن الدور الذى لعبته بيلوس فى تنمية هذه الحضارة حيث كانت نقطة اتصال خارجى بالعالم.

فأصل الحضارة الميسينية تأتى من الحضارة المينوية التى نشأت فى جزيرة كريت جنوب اليونان، والتى ازدهرت واشتهرت لأنها كانت محورا تجاريا فى شرق المتوسط وذلك بين الشرق الأدنى ومصر.

ويسود اعتقاد بأن الأعمال الفنية فى قبر المحارب جريفين سرقت من كريت، لكن يرجح الزوجان ستوكر بأن هذه الأعمال التى كانت تصنع فى كريت كانت جزءا من ثقافة المحاربين، فمقبض السيف فى مقبرته تشبه كثيرا الصورة الموجودة على ختم حجرى دفن معه.

وبدراسة متعمقة للأشياء التى وجدت فى هذه المقبرة فإن العلماء يرجحون أن هذا المحارب تمتع بسلطات عسكرية وكهنوتية وبعض المهام الأخرى التى كان يقوم بها wanax أى الملك باللغة الميسينية.

لذا فإن صحت هذه النظرية فإن هذا المحارب هو واحد من الملوك الأوائل لبيلوس ربما الأول، وهو مؤسس أول مملكة فى تاريخ أوربا.

توماس باليما خبير اللغة الميسينية فى جامعة تكساس بأوستن يوافق على تفسير الزوجين فيما يتعلق بالدلالة العسكرية والدينية للأشياء التى تم العثور عليها فى المقبرة، لكن لديه شكوك فيما يتعلق بالدور الذى لعبه الملك فى بداية هذه الفترة.

ورغم ذلك يرى علماء الآثار أن هذه الاكتشافات والدراسات الجديدة فى بيلوس تساعد فى اكتشاف شكل العلاقة بين الحضارة الميسينية والمينوية وبين الحضارات الأخرى وعلى رأسها الحضارة المصرية القديمة.

إرسال تعليق

0 تعليقات