فن النحت القبطي من أعظم الفنون


الفنان رمسيس فانوس يوسف

هناك دافع مشترك يبدو وكأنه قد جذب، في أول عصرنا المسيحي كل الأجناس المنوط بها اتخاذ دور حيوي في زخرفة المباني المسيحية، نحو السير في اتجاه موحد في مجال النحت الزخرفي. إذ نجد أن محترفي هذا الفن في ورشهم الفنية في كل من القسطنطينية واليونان وبلاد الشام ومصر وفي بلدان القوقاز، مهما اختلفت مصادرهم وخاماتهم المستخدمة قد اتبعوا أسلوباً واحداً في مجال التكنولوجية الفنية الخاصة بمعالجة الخليفة "fond" المحفورة حفراً عميقاً أو المنحوتة نحتاً خفيفاً تبرز منه وحدات "motifs" تشكيلاتهم الفنية. وتلعب مؤثرات الضوء والظل على أعمالهم من النحت الغائر دوراً لم تمدهم به من قبل الكلاسيكية القديمة للعصور الغابرة، بل ولا أيضاً الحضارات الشرقية القديمة.
وفي خط يوازي هذا التطور تسير خطوطهم وفق خطوط وانحناءات تتميز بتقلب الأطوار والدلالة الدالة على العبقرية والعلم بذلك الأسلوب الزخرفي الذى أطلق عليه أحد فلاسفة الفن الإسلامي اسم "الهندسة المفتوحة" une geometrie ouverte، وتشهد عند تفسيرها وترجمتها للطبيعة بروح متحررة للغاية نجدها بديهية وطبيعية لتصل بعد عدة قرون، ومع الإسلام إلى تلك التشكيلات الزخرفية المعروفة بفن الزخرفة العربية "الارابيسك" والأشكال المتعددة الاطلاع والجوانب "arabes que et de polygonie ".

أن الأقباط، أو مسيحي مصر بصفة خاصة. قد قاموا بنحت وقطع وتشكيل وتلوين أحجارهم ليجعلوا منها نوعاً من التطريز المزركش ينم عن دأب وثبات ومثابرة واقتناع يثير فينا وللوهلة الأولى أحساساً بالذهول والدهشة. وفي الواقع فقد كان أجدادهم من الفراعنة يسيرون أكثر منهم في الخطوط التى يرسمونها على هدى المعلومات الذكية الواعية للتعريف الدقيق للنبات أو الإنسان مع عدم اعتمادهم في ذلك على تأثير الألوان أو الوقوع تحت نفوذها. بينما نجد رسام أو نحات الأديرة يكتفي باستعارة بعض المعلومات الوجيزة والمقتضبة لإظهار معالم العالم الخارجي، وفي الوقت الذى بلغ فيه بواسطة مزج وتركيب ألوانه إلى درجة من الفصاحة في التعبير والبلاغة التلقائية التى لم تفقد شيئا من جمالها وحرارتها حتى بعد مرور خمسة عشر قرناً. وهنا يحق لنا أن نطرح التساؤلات التالية: كيف توصل إلى تعدد الألوان المسخر في تلك الرسومات إلى أن يشكل بل يؤسس في مجال تحف به الصعاب والمتاعب، عاملاً مسيطراً وسائداً في كل عمل منقوش أو منحوت؟ ولماذا أبتعد الرسم أو الشكل عن النموذج المقدم له عن طبيعة الأشياء لدرجة لا تثير في نفوسنا سوى ذكرى طفيفة للغاية لدنيا المرئيات؟ ربما ظلت هذه التساؤلات دوماً طويلاً دون الظفر بإجابة شافية إذ يهتم التاريخ أبلغ الاهتمام بطابع الأشكال أكثر من اهتمامه بطبيعة التيار الروحي الذي يحدد دور ووضع الأعمال الفنية في المنشئات الخاصة بالعبادة (دور العبادة) حتى ولو كانت هذه الأعمال مجرد زخرفة بسيطة.

إذا نظرنا إلى الأسلوب المصري القديم في النحت ككل وفحصناه، فإن دراسة النقوش ستكشف عن الفزع الغريزي للفنان وكراهيته للظل والعمق. فالفراغ الجوى المملوء هواء والذى يبدو للملاحظة البدائية للحواس كفاصل للاشياء ليس في حقيقة الأمر سوى انعدام للمادة "العدم واللاشيء"، فالنحات المصري القديم يمثل الأشخاص بدقة رائعة داخل أطار مغلق، كل شخص كامل في حد ذاته ويشكل أسلوباً متماسكا مع تجنب البروز. وعن طريق الشكل المجسم تجسيما خفيفاً يبرز النحات بأدوات نحته مختلف التفاصيل. أن هذه العزلة عن الفضاء هى نوع من الرمز الملموس والغامض في نفس الوقت، ويرمز به للانفصال. ويبدو وكأن الفنان أراد انتزاع بعض الشخصيات المختارة ليعزلها عن العالم. وأن هذه الشخصيات المادية المنعزلة لا يمكن أن نتحقق من وجودها إلا إذا مررنا بأيدينا عليها فنجدها حينئذ متميزة بعضها عن البعض دون أدنى علاقة لا حداها بالعالم الخارجي. والتى لا يمكن لها بالتالى أن تتغير أو تتأثر معالمها بالتلاعب بالإضاءة كما يحدث عادة عندما ننظر للكائنات بدلا من لمسها. "أن العين لا تدعنا نميز في الأشياء سوى الأسطح الملونة، وتحجب عنا الأسطح البعيدة المنال التى لا يخترقها الضوء". وهنا نصل إلى نقطة التميز بين "الإدراك الحسي الملموس" "conception tactile" للمرئيات، وهو الإدراك الذى كان سائداً في مصر القديمة الفرعونية، وبين "الادراك البصري""conception optique" وهو الإدراك الذى يميز في زمن انتصار الكنيسة، التقدم الذى حققه الفنان وكذلك إدراك المشاهد والمعاين لهذه الفنون... ... ولكن هل من الأجدر بنا أن نتحدث عن التطور أم عن الانقلاب الشامل؟ فالاختلافات جذرية... أن الخلفية المسطحة التى كانت تلعب في الماضي دوراً هاماً في الأعمال الفنية تبدو الآن وقد بدت وقامت بتجزئتها بد نشطة قوية لدرجة لا تمكن العين من سير غور عمق ظلالها. فاليد أو الأنامل الباحثة عن سطح متحد متجانس سرعان ما تتوقف إذ عرف الفنان كيفية توضيح الفراغ الجوي الذي تلتف به الأجسام، فبدت هذه الأجسام التى كانت في الماضي شبه ملتصقة بالخلفية كما لو كانت مشدودة إليها لا تكاد تبرز، منفصلة أو منتزعة بقوة من خلفيتها عن طريق الظلال التى ترسمها، وبالتالي تشكل مع الأجزاء المجاورة والمحيطة بها تأثيرات ضوئية يتكون بها المجموع، فيبدو الخط العام للشكل وكأنه قد حطم التكوين الأصلى الذى كان يحبسه بين جدرانه الأسلوب القديم في النحت. نعم لقد اختفى النظام الزخرفي المغلق حول كل شكل ليحل محله الاتجاه الجديد الهادف إلى خلق أشكال متعددة الأضلاع تتحرر وتتفكك عن حدودها لتصبح امتداداً لشكل آخر، وبذلك ينتج ديكور أو زخرفة يشكل فيها كل هدف من أهداف التكوين مع الأهداف والأشكال المحيطة به والمجاورة له رسماً وشكلاً جديداً تتابع فيه الأشكال وتتلاحق بعضها ببعض إلى ما لا نهاية، وقد عولجت زخرفة العناصر النباتية بحرية مطلقة جعلت النبات يخرج عن نظام نموه الطبيعي. فترى الورقة تنزع فجأة من الساق مباشرة وتنثنى بدلال ينسجم ويتفق مع إيقاعات زخرفيه محضة، واستمر هذا النهج في الزخرفة حتى الإسلام إذ رأينا الزهرة تتكون مباشرة من الورقة دون الانتقال إلى مرحلة أخرى، وبدلا من أن تنتج الورقة مثلها نجدها تمنحنا زهرة جميلة، وأن دل ذلك على شيء فهو خير برهان على أن التقدم "المناهض للطبيعة" وتحدي عوامل الطبيعة لا يكف عن الاستمرار، وهذا ما يدعونا إلى القول بأن السمات الرئيسية والخطوط الأساسية لفن الزخرفة العربية "الارابيسك" قد مهد طريقها في زمن الأقباط بل وضع أساسها في ذلك الوقت كما هو واضح وجلي.

أن النحت القبطي يشبه نسيجاً من الأضواء الساطعة ومن الظلال الداكنة تشكل نوعاً من النغم المنسق تنسجم فيه الألوان المتعددة ويتطلب منا النظر إليه ككل، وبناء عليه فهو يتطلب رؤيته من بعد لكي يحيط المشاهد بالمجموع المنحوت. ولكن أن عملاً كهذا يتطلب بالضرورة من جانب المشاهد مساهمة ذهنية ووجدانية أكثر وأنشط مما كان يحتاج إليه في الماضي، فلم يكن ضرورياً التفكير والتخمين فيما تخفيه الظلال فقد كانت خلفية الأشكال المنحوتة تتميز بالوضوح وكذلك الشكل ذاته يمكن تمييزه ومعرفته لأول وهلة. وعلى النقيض بالنسبة للنحات القبطي فإن أول ما يجذب البصر في أعماله هو تلك الظلال الكثيفة، أما ثنايا الثوب مثلاً وهى الأجزاء المضيئة فتعتبر ثانوية أو مكملة للظلال، ولم يكن النحات مضطراً إلى نقش أو كتابة ما تمليه عليه الأشكال الطبيعية ونقلها بحذافيرها كما كان يفعل من قبل، بل نجد الفنان القبطي وقد ملك سلماً موسيقياً رائعاً مكتمل الألوان فقد أطلق لنفسه العنان في حرية كاملة في تحقيق وتطبيق كل قيمة روحية ومواهبه في التصوير والتنسيق وفي تمثيل المساحات والأحجام.أن ديكور الكنيسة قد ينتقص من رسالته لو جذب عيون المؤمنين والمصلين ليركز تفكيرهم فيه، أو إذا متعهم بنشوة عقلية فائقة. لذلك نجد القبطي قد أبعد عن أهدافه ومن تلقاء ذاته غاية بلوغ السمو والأرتفاع أو التطرف في فنه. أن الهندسة لم تكن قط في الفن منطقاً مقدساً لا يمكن أن نحيد عنه، لذلك نلاحظ في معظم أعمال النحت في وادي النيل انحرافات وابتعادات عن المنطوق الهندسي واهتزازات في الخطوط، وهى علامة من علامات التقدم، إذ لو طبقت النظريات الهندسية بصرامة وبأسلوب خال من الحرارة لانحدر فيها شأن العمل الغني واندرج في مرتبة الإنتاج الآلي.

ومهما كان الديكور المسيحي مستقلاً عن تكوين المبني المقام فيه إلا أن مصمميه قد راعوا طبيعة ومقاسات الجسم الذى سيكسوه هذا الديكور. أن فن تغطية الجدران لهو فن قائم بذاته، وهو مكمل ضروري لفن العمارة، أن الفنان المنفذ لحلية زخرفيه لابد وأن يراعي سمك الجدار وارتفاعه، أو عمق الكوة "niche" أو الجنينة التي سيوضع فيها التمثال أو حجم الواجهة والمكان الذي سيوضع فيه شريط مزخرف... وغير ذلك من العوامل. إذ أحيانا يكفي مجرد وضع صليب بسيط على بدن العامود أو وضع لؤلؤة صغيرة ودقيقة على لوحة رخامية لتغير طابع المبني. ولقد انتشر هذا النمط في الديكور حتى أن العرب قد استخدموا هذه القطع مقطوعة كأشرطة تزدان بها واجهات مساجدهم وفي حفريات باويط وبالرجوع إلى الصور التى قام بنشرها "شاسينات" والتى التقطت عند العثور على تلك الآثار في أماكنها وأوضاعها الأصلية، يمكن أن نري من خلالها مقدرة وعبقرية النحات القبطي في زخرفة جدار هائل بشريط رفيع مزدحم بأشكال الدواب والأوراق، ومدى نجاحه الفائق في الجمع بين تلك الكتلة الضخمة من الجدار الحجري وبين هذا الشريط الرقيق كما يمكننا أن نلمس مدي التأثير الذي يسبغه مثل هذه المساحة الموضوع عليها، بل في المكان بأكمله والفضاء المحيط به من الأرض إلى السماء، ومن السماء وحتى الجدار. أن من رأوا تلك الآثار في أماكنها الأصلية أمكنهم تمييز آثار حية للألوان المتعددة وخاصة اللونين الأخضر والأصفر، كما كان يستخدم أيضاً اللون الأحمر واللون الوردي واللون الأزرق ومما لا شك فيه أنهم استخدموا اللون الذهبي وفقاً للتقاليد الشرقية.... وإذا رصعت هذه الأشرطة الزخرفيه جدارا أحدثت أثراً مهدئاً للأعصاب، يشبه الأثر الذى تحدثه جزر صغيرة من أشجار النخيل وسط الصحراء الشاسعة، ولذلك فأننا عندما نفصل هذه النقوش والزخارف عن وسطها ومحيطها المادي نحرمها ولا شك من جزء كبير من فاعليتها وسحرها.

وقد كان من المعتقد أن الفن القبطي يتحتم لمشاهدته الوقوف على مسافة منه إذ يكتفي بالتعريف المختصر للأشكال ويمتلئ بالتناقضات القوية الكفيلة بتشتيت الذهن. ولكن ثبت عدم صدق هذه النظرية، فأننا إذا أقتربنا من تلك الأشكال لوجدنا المساحات والايقاعات المنسجمة والممتزجة تمدنا بأحساسات ومشاعر هادئة تدل على التضامن واليسر والاستمرار. والفن الزخرفي القبطي يتحتم في كثير من الأحوال مشاهدته ككل لا مجرد مشاهدته من قرب أو من بعد. ولنتذكر أن تغطية الجدران بالنقوش في بناء ديني كالكنيسة يعمل في الروح تماماً كما يفعل التطريز في الثوب أو كما تفعل الزخرفة على قطعة من الأثاث في الوقت الذى ينشغل فيه المتعبد في أمور أبعد ما تكون عن تقدير قيمة العلامات والصور والنقوش الموجودة حوله، حتى الرموز الموسومة على النقوش القبطية تطفو على هامش الأذهان ولا تتطلب من المصلين أو المشتركين في الخدمة الإلهية أية عناية في التقدير أو التفكير العقلي في مضمونها.

و جدر بنا أن نساهم ونشارك بصورة أو بأخرى في السعادة والبهجة التى يتيحها لنا ذلك الفنان المبهم المنعزل في الأديرة المصرية. هذا الفنان الذى دأب على زخرفة الأشرطة والنطف بأوراق الأشجار وبأغصان وأوراق النباتات المتسلقة وكل شخوصه هم الحور والطيور، فالنحت لم يكن بالنسبة له سوى أحدى الروابط العديدة التى تتكون منها وحدة عقيدته وطقوسه التى يمكن أن نلمسها في كنيسة ريفية.وبعد ففن النحت القبطي هو آخر وحى ألهام وآخر دليل شاهد لجنس خيل للعالم أنه أندثر، ولكنه عرف كيف يجد نفسه، ويحقق وجوده بالرغم من أنهاكه وشيخوخته وضعفه ووهنه، وانطلقت من فنه قوة كافية لإعادة شباب روحه وتجديد أساليبه الفنية وخدم لأهداف ديانته الوليدة جوقة كبيرة من الفنانين.

إرسال تعليق

0 تعليقات