اشهر الكنائس الرسولية





بقلم: القمص ميخائيل جريس

+ كنيسة أورشليم :
كان أمرا طبيعيا أن تحتل كنيسة أورشليم شهرة خاصة في عصر الرسل فأورشليم لها تاريخها الديني الطويل منذ أن كانت مركز الديانة اليهودية في العالم كله وقلبها النابض ، وقلبه أنظار اليهود المشتتين في أنحاء العالم وقد آل إلى كنيسة أورشليم المسيحية الكثير من الشهرة السابقة ، بعد إن غدت الوريثة الشرعية الأولى للديانة اليهودية .


هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فان مدينة أورشليم هي أول مدينة رددت صدى صوت الرب يسوع وذاقت حلاوته قبل العالم كله وتقدس ثراها بدم الفادى الزكى الذي أهرق فيها .... وفي اورشليم ولدت الكتيسة المسيحية ، ومنها ذاعت بشرى الخلاص في العالم كله ، وحظيت بكرازة الرسل والعجائب التي أجراها الرب علي أيديهم وتباركت بدم باكورة شهداء الحمل اسطفانوس رئيس الشمامسة ، والرسولين يعقوب بن زبدى ويعقوب آخى الرب وغيرهم ممن لم يحفظ لنا التاريخ أسماؤهم . كانت أول مركز ديني مسيحي أنشئ وفيها عقد أول مجمع كنسى ، وكانت تعتبر بحق الكنيسة الأم في تلك الفترة المبكرة من تاريخ ، التي يتطلع إليها المؤمنون ... وقد ورد في ليتورجية القديس يعقوب تلقيب كنيسة أورشليم " بالأم " كما أجمع آباء الكنيسة علي ذلك ولما تلوث ريح الاضطهاد على الكنيسة الناشئة في اورشليم ، واستشهد اسطفانوس " تشتت الجميع في كور اليهودية والسامرة ، ما عدا الرسل " ( أع8 : 1 ) .... وبقاء الرسل في أورشليم مع تزايد الاضطهاد الدامي ، يرينا أنهم كانوا يعتبرون تلك المدينة ولا شك مركزاً ورأسا للكنيسة الناشئة ومصدرا للإشعاع المسيحي ، وألا لكانوا تفرقوا هم أيضاً مع بقية المؤمنين ، يكرزون بالكلمة حيثما حلوا ومن أورشليم كانت الكنيسة تشرف على النشاط الكرازى الذي يقوم به الكارزون ... " ولما سمع الرسل الذين في اورشليم إن السامرة قد قلبت كلمة الله ، أرسلوا إليهم بطرس ويوحنا اللذين لما نزلا صليا لاجلهم لكي يقبلوا الروح القدس " ( أع8 : 1 ، 15 ) وكذلك أيضاً بالنسبة إلى انطاكية ( أع11 : 22 ) . وثمة ظاهرة واضحة ترينا مكانة كنيسة اورشليم بين كنائس عصر الرسل واحساس المسيحيين خارج أورشليم بحقها عليهم وواجبهم نحوها ... تلك هي : إرسال التقدمات لفقراء أورشليم من الكنائس المختلفة ، يهودية وأممية .... لقد اعتنى القديس بولس هذا الأمر ، وكان يجمع التقدمات من كنائس الأمم التى أسسها ، ويرسلها إلى كنيسة اورشليم .... بل هو بنفسه كان يحمل هذه التقدمات ، كما حدث في زيارته الثانية لأورشليم حوالي سنة 44م ، حينما كان يحمل تقدمات كنيسة إنطاكية ( أع11 : 30 ) وقد تولى أمور كنيسة أورشليم القديس يعقوب البار أحد الاثنى عشر حتى سنة 62م حين استشهد . وقد كان أول أسقف عليها ، وحسبما يخبرنا ( هيجيسبوس ) . وخلفه أخوه سمعان بن كلوبا الذي استشهد مصلوباً على يد اتيكس والى اليهودية سنة 106م وله من العمر 120 سنة . ويبدو أن سمعان خلف يعقوب مباشرة عقب استشهاده ، وانه هو الذي انتقل بالمسيحيين من أورشليم إلي بلا Pella قبيل خراب أورشليم ، إتماما لوصية الرب ولكن كنيسة اورشليم لم تحتفظ بمركزها . الديني المتميز ، بسبب ما حل بالمدينة من خراب سنة 70م . ولم يستردالكرسي الاورشليمى مركزه الديني إلا اوائل القرن الرابع الميلادي ، حينما اتجهت أنظار المسيحيين الى اعتبار الأراضى المقدسة بعد تغير الأحوال السياسية ، وزيارة الملكة هيلانة أم الملك قسطنطين لها . واكتشافها صليب المخلص بها .



+ كنيسة إنطاكية :
ويأتى بعد كنيسة أورشليم من جهة الأهمية في تلك الفترة المبكرة من تاريخ المسيحية ، كنيسة إنطاكية ... كانت مدينة إنطاكية هي المدينة الثالثة في الإمبراطورية الرومانية بعد روما والإسكندرية بسبب مركزها الجغرافي والسياسي .... فقد كانت العاصمة السياسية للإقليم السوري ومركزاً استراتيجياً هاماً في هذا الجزء من الإمبراطورية .... كان سكانها خليطاص من الإغريق النبلاء والأغنياء والسريان وهم عامة الشعب واليهود كان موقعها بين الشرق والغرب انسب مكان لنشر الأيمان الزاحف إليها من أوشرليم في جهات العالم الأخرى نظراً لقربها من أورشليم وبذا استطاعت أن تظل على صلة دائمة – وبسهولة – بالكنيسة الأم في أورشليم والحصول على ما تحتاج إليه منها ... وفي كلمات أخرى نقول أن إنطاكية كانت هي باب فلسطين المفتوح على العالمين اليوناني والروماني . ومن هنا كانت خير قاعدة لنشر المسيحية فيهما ... وكانت هي بدورها تقدم العون للكارزين الذين يخرجون منها .


وتعتبر كنيسة إنطاكية هي الكنيسة الأممية الأولى من جهة تاريخ تأسيسها ... وأول ما عرف المؤمنون بأسم مسيحيين كان في إنطاكية وقد تعب في الكرازة بها القديسان برنابا وبولس ( أع11 : 22 – 26 ) ... ووصل إليها القديس بطرس متأخراً وبعد مجمع أورشليم ( غل2 : 11 ) ... وجعلها القديس بولس مركز انطلاقه في رحلاته التبشيرية ... وليس صحيحا ما يدعيه البابويون والروم والسريان من أن القديس بطرس الرسول هو مؤسس كنيسة إنطاكية وأنه اول أسقف عليها وأنه أسسها بين 36 ، 37 ، ثم أقام بها سبع سنين ، أبحر بعدها ألي رومية . ومهما كانت شهادات الآباء والمؤرخين التى يستندون أليها ، فشهادة كتاب الله أولى بالصحة والتصديق . فعقب مقتل اسطفانوس حوالي سنة 37 ، حدث " اضطهاد عظيم على الكنيسة التي في أورشليم ، فتشتت الجميع في كور اليهودية والسامرة ما عدا الرسل " ( أع8 : 1 ) ... ثم ذهب بطرس مع يوحنا الى السامرة ( أع8 : 14 ) .... وفي هذه الأثناء كان بطرس يجتاز في اليهودية وذهب إلي لدة حيث شفي اينياس ، ثم ذهب ألي يافا حيث أقام طابيثا ، ومكث فيها أياما كثيرة ( أع9 : 32 – 42 ) .... وبعد يافا قصد قيصرية بناء علي دعوة كرنيلوس ( أع10 ) . وبعد هذه الجولة الكرازية ، صعد إلى أورشليم حيث خاصمه بعض اليهود المتنصرين بسبب عماد كرنيلوس ومن معه من الأمميين
( أع11 : 2 ) وكان ذلك حوالى سنة 40، وفيها تقابل لأول مرة مع بولس في اورشليم ( غل1 : 18 ، 19 ) وبعد قصة كرنيليوس الواردة في ص10 ، 11 من سفر الأعمال ، يتكلم القديس لوقا عن دخول الإيمان إلى إنطاكية على يد الذين تشتتوا بسبب مقتل اسطفانوس ( أع11 : 19 – 21 ) . ولما سمع هذا الخبر عن الانطاكيين في آذان الكنيسة التي في أورشليم .


" أرسلوا برنابا لكي يجتاز إلى انطاكية . الذي لما أتي ورأي نعمة الله فرح ووعظ الجميع أن يثبتوا في الرب بعزم القلب " ( أع11 : 22 ، 23 ) ، وكان ذلك سنة 43 ... ثم خرج برنابا إلى طرسوس ليطلب بولس ليعمل معه في الخدمة ، فخدما معا بإنطاكية سنة كاملة حتى نمت كلمة الرب وترعرعت ( أع11 : 25 ، 26 ) . واضح من كل ما تقدم أنه حتى سنة 43 – وهي السنة التي أرسلت كنيسة أورشليم برنابا الى انطاكية ليساعد في الكرازة ونشر الإيمان – لم يكن أحد من الرسل قد ذهب إلي إنطاكية ... وفي سنة 44 قبض هيردوس أغريباس على بطرس وسجنه ، ولكن ملاك الرب فتح أبواب السجن وأطلقه ، ومضي الى موضع آخر ( أع12 : 3 – 17 ) . وبعد ذلك لا نقرأ في سفر الأعمال عن بطرس الا في مجمع اورشليم حوالي سنة 50 ... على أنه لا يمكن ان يكون قد خرج عن دائرة اليهودية – لا إلى روما ولا إلى غيرها من الأقاليم النائبة – لأن بطرس كان لابد له أن يتم تأسيس وتثبيت كنائسها . ثابت ان بطرس ذها إلى إنطاكية عقب مجمع اورشليم ، أي حوالي سنة 51 ( غل2 : 11 ) . ولا يمكن أن يكون قد ذهب قبل ذلك التاريخ ، فالقضية التي اجتمع من أجلها مجمع الكنيسة في أورشليم ، كانت قضية اليهود المعروضة علي المجمع من كنيسة إنطاكية ( أع 15 : 1 ، 2 ) . ولما تكلم بطرس أمام المجمع أشار إلى إيمان كرنيليوس ومن معه . ولو كان له سابق خدمة في إنطاكية لكان أشار إلى ذلك باعتباره رئيس الكنيسة هناك وأسقفها . وأن كنيستها هي التي تعرض القضية على المجمع ... لكن شيئاً من ذلك لم يحدث ( أع15 : 7 – 11 ) ... ولو كان لبطرس أية علاقة بكنيسة إنطاكية لظهر ذلك في قرار المجمع . لكن كنيسة أورشليم ( الرسل والكهنة مع كل الكنيسة ) أرسلوا برسابا وسيلا مع بولس برنابا على إنطاكية ( انظر أع15 : 22 ، 23 ) أذن – من كل ما تقدم – يتضح جليا إن وصول بطرس إلى إنطاكية كان حوالي سنة 51 أو ما بعد ذلك .... ووجوده هناك وتصرفه إزاء المسحيين من اليهود والأمم ، والموقف الغريب الذي وقفه بعد وصول جماعة من عند يعقوب .... كل ذلك يدل علي أنه لم يكن لبطرس أي موقف متميز هناك ، فكم برئاسة الكنيسة التي يدعيها البعض ( غل2 : 11 – 21 ) وثمة ملاحظة أخيرة نوردها عن هذا الموضوع ... فالأب جان كلسون الذي صنف كتاباً كاملاً عن الأسقف في الكنائس الأولي يجعل برنابا المؤسس لكنيسة إنطاكية .


كنيسة الإسكندرية :
كانت مدينة الإسكندرية وقت كرازة الرسل تعتبر – من الناحية السياسة – المدينة الثانية من جهة في الإمبراطورية الرومانية بعد العاصمة روما . لكنها من جهة شهرها العلمية والثقافية ، كانت دون منازع عاصمة العالم الثقافية في ذلك الحين ... فمدرستها الشهيرة ، كانت اكبر مركز علمي وفلسفي في العالم الوثني ، بما توفر لها من مشاهير العلماء والفلاسفة وما زخرت به مكتبتها الشهيرة من الكتب والمخطوطات القيمة .. كانت الإسكندرية مدينة دولية عامرة بالسكان من مصريين واغريق ورومان ويهود وبعض أجناس اخرى ... وكانت جاليتها اليهودية ، أهم الجاليات اليهودية خارج فلسطين . وصل الإيمان المسيحي إلي مصر قبل كرازة مارمرقس بها ، نظراص لقرب مصر من بلاد اليهود ... كما كان بين من شاهدوا معجزة يوم الخمسين بعض من سكان " مصر ونواحي ليبيا التي نحو القيروان " ( أع2 : 10 ) . وليس ما يمنع أن يكون هؤلاء الذين أمنوا بأورشليم يوم الخمسين ، قد حملوا الإيمان معهم إلي موطنيهم ... وهناك إشارة في سفر الأعمال إلى ابلوس الإسكندري الذي كان يهودياً وتنصر ، مقتدراً في الكتب وخبيراً في طريق الرب " وكان وهو حار بالروح يتكلم ويعلم بتدقيق ما يختص بالرب " ( أع18 : 24 ، 25 ) .. والقديس لوقا كتب إنجليه إلى أحد وجهاء الإسكندرية المدعو ثاؤفيلس ولم يكن إنجيل لوقا هو الوسيلة الأولى التي حملت الإيمان إلى ذلك الرجل بل أنه كان مؤمنا قبل وصول إنجيل لوقا إليه ، إذ يقول له لوقا " لتعرف صحة الكلام الذي علمت به " ( لو1 : 3 ، 4 ) ... وقيل إن الرسول سمعان القيروني كرز في جنوبي مصر ( منطقة أسوان والنوبة ) ... وعلى أية الحالات فقد وصل الإيمان المسيحي إلى القطر المصري قبل وصول مار مرقس إليه ... لكن تأسيس الكنيسة المصرية التى تعرف باسم كنيسة الإسكندرية ، ينسب إلى القديس مارمرقس . والقديس مارمرقس احد السبعين رسولاً – أسس هذه الكنيسة حوالي سنة 60م ... وتمزت بكثرة عدد من آمن ، وبسمو روحانيتهم ، وبحياة الزهد الفلفية الفائقة الحد التي عاشها جمهور المؤمنين ... ومن فرط إعجابة بهذه الحياة ، أشار إليها فيلو الفيلسوف اليهودي الإسكندري في القرن الول الميلادي في كتابه حياة التامل . كما أسس مارمرقس في الإسكندرية مدرسة لاهوتية ، لتثبيت المؤمنين في الدين الجديد ، وتقف أمام المدرسة الوثنية الشهيرة تقاوم تيارها وأفكارها وترد عليها ... وقد قدر لهذه المدرسة – فيما بعد – بما توفر لها من علماء ان تجذب بعض فلاسفة المدرسة الوثنية وتهديهم إلى الإيمان ، بل أن تصبح اكبر مركز دراسى لاهوتي مسيحي في العالم كله شرقاً وغرباً لعدة قرون . وقدمت هذه المدرسة للكنيسة المسيحية في مصر وخارجها علماء وفلاسفة استطاعوا أن يخدموا أجل خدمة ، ويذودوا عن إيمانهم باقلامهم التي فندت ادعاءات الفلاسفة الوثنيين ... ولا صحة مطلقاً للإدعاء الضعيف القائل بأن بطرس الرسول في جولاته الكرازية عرج على مصر . ومنها – من بابيلون – كتب رسالته الأولى ( 1بط5 : 13 ) وقد تناولنا هذه النقطة بالرد والتنفيذ في موضع أخر


كنيسة رومية :
كانت مدينة روما في عصر الرسل هي المدينة الأولى في العالم – من الناحية السياسية – باعتبارها عاصمة الإمبراطورية الرومانية ... وكان ينظر إليها المعاصرون نظرة كلها إجلال وتقدير حتى سموها " روما الخالدة " وارتبطت أفكار الناس بها إلى حد بعيد ... سبق لنا أن تناولنا موضوع دخول المسيحية إلى روما وقلنا أن ذلك تم أما واسطة من حضر معجزة يوم الخمسين من الرومان ، وأما بواسطة بعض المتحمسين من فلسطين أو سوريا أو آسيا الصغرى أو بلاد اليونان ... لكن تأسيس كنيسة رومية ككنيسة لم يتم إلا على يد بولس الرسول ... لكن البابويين يدعون لمار بطرس ما لم يعط له ، وما لم يدعيه هو لنفسه وما لم تعرفه الكنيسة الأولى . يقولون أن السيد المسيح أقام بطرس نائباً عنه على الأرض ، ورئيساً للكنيسة المنظورة . ويقولون أيضاً أن القديس بطرس هو مؤسس كنيسة رومية وأول أسقف عليها ، وأنه أقام بها 25سنة من سنة 42 إلى سنة 67 !! وسوف لا نتعرض لدحض الادعاءات الخاصة برئاسة بطرس لأن ذلك يبعد عن جوهر بحثنا في التاريخ الكنسي ، وإنما سنناقش فقط تأسيس بطرس لكنيسة رومية ، وإقامته الطويلة الزعومة بها ... ولابد أن نشير أولا إلى نقطة هامة ينبغى ألا تغيب عن أذهاننا ، وهى إن المراكز الدينية في عصور المسيحية الأولى كانت تقاس قيمتها وعظمتها بما للمدن الكائنة فيها تلك المراكز من قيمة وعظمة مدينة ولعله مما يفيدنا في هذا المقام ، أن نورد شهادة القديس ايرونيموس ( جيروم ) ، الذي تعتبره الكنيسة البابوية أحد ثقاتها في التعليم .... يقول في كلامه عن الأسقف " حيثما يوجد أسقف ، سواء في روما أو في القسطنطينية أو في الإسكندرية فأن كرامته واحدة وكهنوته واحد فلا الثروة أو ضعه الفقر تزيده او تنقص من قدره عن كون أسقفا فالجميع سواء خلفاء الرسل "


تأسيس كنيسة رومية( أولا ) الأدلة الكتابية على تأسيس بولس لكرسي رومية :
( 1 ) بولس رسول الأمم :
إن الكنيسة التي تأسست في مدينة رومية عاصمة العالم الوثني ، هي كنيسة اممية وليست يهوديه ( رو1 : 5 ، 13 ) . وكان القديس بولس هو رسول الأمم ، بينما القديس بطرس هو رسول الختان " إذ رأوا ( يعقوب وبطرس ويوحنا ) إني أؤتمنت على إنجيل العزلة ( تبشير الوثنيين ) ، كما بطرس على إنجيل الختان ( تبشير اليهود ) ، أعطونى وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم ، واما هم فللختان " ( غل2 : 7 – 9 ) .. نلاحظ التعبير الذي استخدمه القديس بولس " إذ رأوا أنى أؤتمنت " ... من الذي ائتمنه ؟ الرب نفسه منذ البداية افرز بولس لهذه المهمة ، وقال لحنانيا في دمشق عن بولس عقب اهتدائه مباشرة " هذا لي إناء مختار ليحمل اسمي امام الأمم والملوك وبنى إسرائيل " ( أع9 : 15 ) .... ومرة ثانية يسجل القديس لوقا في سفر الأعمال ، أن الرب ظهر لبولس في رؤيا في الهيكل بأورشليم وقال له " أسرع واخرج عاجلا من أورشليم ... فأنى سأرسلك إلى الأمم بعيدا " ( أع22 : 18 ، 21 ) .... هذا عن الأمم بوجه عام ، أما عن رومية بوجه خاص ، فقد أعلن له الرب ذلك في رؤيا بينما كان مقبوضا عليه ، ومودعاً بالمعكسر الروماني في أورشليم ... " ثق يا بولس لأنك كما شهدت بما لي في أورشليم هكذا ينبغى أن تشهد في رومية أيضاً " ( أع23 : 11 ) . ولا حاجة بنا إلى تفنيد الإدعاء بأن القديس بطرس – بعماد كرنيليوس قائد المائة الأممي – سار رسول الأمم . فهذه كانت حادثة فردية وقعت حوالي سنة 40 .. ولقد تحدد هذا الاختصاص وتأيد فيما بعد بواسطة مجمع الكنيسة في أورشليم الأمر الذي أشار إليه بولس في ( غل2 : 7 – 9 )


( 2 ) مبدأ بولس في الكرازة :
سار بولس في كرازته علي مبدأ واضح ، وهو أنه لا يكرز في مكان كرز فيه اخر " كنت متحرصاً أن أبشر هكذا . ليس حيث سمى المسيح . لئلا أبنى علي أساس لآخر . ( رو15 : 20 ) ومن العجيب أن يذكر بولس هذا المبدأ في رسالته إلي رومية ، مما يدل علي أن أحداً من الرسل لم يذهب إلي تلك المدينة ويبشرها . وكان بولس يشتهى تبشير أهل رومية ( رو1 : 11 ، 15 ) وذهب إليها بالفعل وأستأجر بيتاً هناك يكرز فيه ويقبل كل الذين يدخلون إليه لمدة سنتين كاملتين ( أع28 : 30 ) وهذا دليل أكيد علي أن بطرس لم يكن قد ذهب إلي رومية حتى ذلك الوقت ولم يكن موجوداً بها في تلك الفترلاة بين سنتي 61 ، 63


( 3 ) صلات بولس بمؤمني رومية :
الأصحاح السادس عشر من رسالة بولس إلي أهل رومية حافل بعدد كبير من أسماء المسيحيين الرومان – يهود وأمميين – يبعث إليهم بولس بتحياته الحارة وتقديره ، الأمر الذي يقطع بان له صلات وثيقة معهم .. فمنهم من عمل معه في ميدان الخدمة ، ووضع عنقه لأجله ومنهم من أحتمل الأسر معه . ومنهم من تعب كثيراًُ لأجله ولأجل خدمة الرب ( رو16 : 3 – 16 ) ... وهو يشرح لهم في هذه الرسالة كيف أنه كثيراًُ ما قصد أن يأتى إليهم لكنه منع وأنه مشتاق أن يراهم لكي يمنحهم هبة روحية لثباتهم .. والرسالة إلي رومية تشعرنا بأنه – حتى وقت كتابتها سنة 58 – لم تكن هناك أي كنيسة مؤسسة من هيئة رسولية في روما . فالرسالة يوجهها بولس إلي( جميع الموجودين في رومية أحباء الله مدعوين قديسين ) " رو1 : 7 "


( 4 ) كرازة بولس برومية :
لا تحوى أسفار العهد الجديد أية أشارة – ولو من بعيد – لكرازة بطرس في رومية .. لكن ثبت أن بولس وصل إلي رومية واقام كارزاً بها ( أع28 : 16 ، 30 ، 31 ) .. فبعد ثلاثة أيام من وصوله إلي رومية سنة 61 أستدعي وجوه اليهود وحدثهم عن المسيح رجاء أسرائيل ، الذى لجله كان موثقا وجاءت اجابتهم انهم لا يعرفون شيئاً عن المسيحية ، وبالتالى أن أحدا لم يبشرهم " لكننا نستحسن ان نسمع منك ماذا ترى ، لأنه معلوم عندنا من جهة هذا المذهب انه يقاوم في كل مكان " ( اع28 : 20 ، 22 ) ... كان معنى اجابه اليهود هذه انه حتى تلك السنة ( 61 ) ، لم تكن قد تأسست في روما كنيسة ecclesia ... فأين أذن كانت كرازة بطرس في رومية ، لو كان قد ذهب اليها سنة 42 كما يدعى البابايون ؟! أما عن كرازة بولس فيشهد عنها كاتب سفر الأعمال بصرحة " واقام بولس سنتين كاملتين في بيت استأجره لنفسه . وكان يقبل جميع الذين يدخلون اليه كارز بملكوت الله ، ومعلما بأمر الرب يسوع المسيح بكل مجاهرة بلا مانع " ( أع28 : 30 ، 31 ) ... وألى جانب جهوده الكرازية في رومية ، فقد كتب فيها رسائله إلى افسس وفيلبي وكولوسى وفليمون .


( ثانيا ) بطرس وكنيسة رومية من شهادة الكتاب المقدس والتاريخ :
( 1 ) اثبتنا في كلامنا السابق عن كنيسة انطاكية ، والأدعاء بأن بطرس هو مؤسسها ، أنه حتى انعقاد مجمع اورشليم حوالى سنة 51 ، كان بطرس ما يزال ببلاد اليهودية ، وانه ذهب الى انطاكية سنة 51 او بعدها ( غل2 : 11 ) ... بعد ذلك نجد كلوديوس قيصر يطرد اليهود من روما حوالى سنة 52 ، الأمر الذى اشار اليه القديس لوقا في ( اع18 : 2 ) ... وكانت المسيحية حتى ذلك الوقت ، معتبرة شيعة يهودية . فلا يمكن ان يكون بطرس قد ذهب الى رومية في تلك الفترة – ما بين طرد اليهود من روما وعودتهم اليها .


( 2 ) ولا يمكن ان يكون بطرس قد ذهب الى رومية قبل سنة 58م – تلك السنة التى كتب فيها بولس رسالته الى اهل رومية من كورنثوس ، والتى لم يرد فيها اى تحية او ذكر لبطرس بينما حوت الرسالة تحيات الى اشخاص عديدين كما سبق ان ذكرنا ( عشرين شخصا واسرتين ) .. والقديس بولس في هذه الرسالة يقول لأهل رومية انه مستعد لتبشيرهم 0 رو1 : 15 ) ، مما يقطع بأن احدا من الرسل لم يبشرهم حتى ذلك التاريخ ، لا بطرس ولا غيره من الرسل .


( 3 ) ويغلب على الظن – كما يعتقد البعض – ان بطرس كان في جوالات تبشيريه مع زوجته حتى سنة 57 ، وهى السنة التى كتب فيها بولس رسالته الأولى الى كورنثوس من مدينة افسس ، وقال فيها " العلنا ليس لنا سلطان ان نجول بأخت زوجة كباقى الرسل واخوةت الرب وصفا ( بطرس ) ( 1كو9 : 5 ) وغالبا ما كانت تلك الجوالات التي وجه اليها رسالته الولي ( 1بط1 : 1 )
( 4 ) لا أثر لوجود القديس بطرس بروما في فترة وجود بولس بها ( 61 – 63 ) ... فالقديسلوقا في سفر الأعمال لا يذكر شيئاً عن بطرس . والقديس بولس – في رسائله الأربع التى انفذها من روما في تلك الفترة – لم يورد ايه اشاره تفيد – ولو من بعيد – الى وجود القديس بطرس في رومية .


( 5 ) من غير المعقول ان يغفل القديس لوقا كاتب الأعمال ، خبر وجود بطرس الرسول برومية لمدة ربع قرن من الزمان ، وتأسيسه لكنيسة عاصمة الأمبراطورية ، بل عاصمة العالم كله قتذاك ، لو كان ذلك حدث فعلا !! وعلى ذلك ، فإن الإدعاء بوجود مار بطرس في روما قبل سنة 63 امر مستحيل كما اثبتنا ... اما احتمال ذهبه اليها بعد ذلك التاريخ ، فليس له ما يؤيده ، سوى اشارات عارة غير واضحة ولا قاطعة لبعض الآباء اللاحقين ...


( 6 ) اول من اشار من الباء الى استشهاد بطرس هو القديس كليمنضس الرومانى اسقف رومية ( 92 – 101 م ) في رسالته الى كنيسة كورنثوس لكنه لم يذكر مكان استشهاده في روما ام غيرها .


( 7 ) في الاكليمنضيات المزورة ، والكتابات المدسوسة الغفل من اسماء كاتبيها ، يربطون بين بطرس الرسول وسيمون الساحر عقب اللقاء الذى حدث بينهما في السامرة حوالى سنة 37 م ، ويصورون بطرس انه اخذ يتعقبه حتى وصل الى روما عاصمة الإمبراطورية . وهناك امات
( 8 ) ذكر بعض أباء القرن الثاني ، من آمثال ديونيسيوس الكورنثي وأيريناوس ومن جاء بعدهما ، أن بطرس اشترك مع بولس في تأسيس كنيسة رومية .. أما تعليل ذلك . فهو أما أن هؤلاء الآباء أخذوا عن مصدر خاطئ بلا فحص وأما أنهم اعتبروا بطرس – في أشخاص الرومانيين اليهود والخلاء الذين حضروا معجزة يوم الخمسين ، وآمنوا بعد سماعهم عظة بطرس ومن ثم جملوا الإيمان إلى وطنهم – أنه أشترك بصورة غير مباشرة في تاسيس كنيسة روما .


( 9 ) وثمة نقطة كانت مثار جدل بين العلماء . وهي بابل المذكورة في رسالة بطرس الأولي والتي منها كتب هذه الرسالة ( 1بط5 : 13 ) فقد فسرها البابويون علي انها روما ( بابل = روما ) علي أساس أن القديس يوحنا أشار إليها في سفر الرؤيا بهذه التسمية الرمزية ... وقصدهم من ذلك أن يثبتوا وجود بطرس في روما وأنه كتب منها هذه الرسالة ..


يجمع الأباء والعلماء بلا أستنثناء علي أن بابل المذكورة في سفر الرؤيا هي روما . بناء علي الملابسات المذكورة معها .. ذكرها يوحنا خمس مرات وفي كل مرة يذكرها بامس بابل العظيمة أما بابل المذكورة في رسالة بطرس ( 1بط5 : 13 ) فهي بابل الواقعة على نهر الفرات ، ولا يمكن ان يكون المقصود بها التسمية الرمزية أي روما ... هذا هو رأي فطاحل العلماء حالياً أما الأدلة على ذلك فكثيرة منها : .


( أ ) حينما أشار يوحنا في رؤياه إلي روما على أنها بابل فأن هذا السفر نبوي ورمزي وتستقيم معه هذه الأشارة لكن ليس ما يدعو بطرس لأن يستخدم الأسلوب الرمزي في رسالته . علماًُ أن أسفار الكتاب المقدس كلها لم تشر إلي روما علي أنها بابل إلا في سفر الرؤيا فقط .


( ب ) الأماكن الجغرافية والأقاليم الذمكورة في رسالة بطرس الأولي ( مقاطعات بنطس وغلاطية وكبادوكية وآسيا وبيثينية ) تعنى المعنى الحرفي فلماذا لا يعني بطرس بابل معناها الحرفي أيضاً ؟؟


( ج ) ليس ما يدعونا إلى الأفتراض أن المسيحيين – وقت كتابة هذه الرسالة – كانوا يفههمون روما على أنها بابل القديمة ..


(د)- سفر الرؤيا – و هو الموضع الوحيد فى الكتاب المقدس الذى فسرت فيه بابل على أنها رومية – كتب بعد زمان كتابة رلة بطرس الأولى بنحو ثلاثين سنة فكيف أتبع بطرس نفس أسلوب يوحنا الرمزى ؟؟


(هـ) أينما ذكرت مدينة رومية فى العهد الجديد ذكرت بأسمها بأستثناء سفر الرؤيا .. و حتى فى الرؤيا ذكرت بأسم ( بابل العظيمة )
(و) هناك أدلة قوية على أنه فى وقت كتابة رسالة بطرس كان المسيحيون من اليهود و الوثنيون يؤلفون جماعة كبيرة فى مدينة بابل على نهر الفرات و ما حولها و كانت المدينة على جانب كبير من الأهمية . و قد لعبت مدارس التعليم اليهودى فى ذلك الإقليم دوراً هاماً فى النهوض باليهودية خاصة بعد خراب أورشليم و هيكلها و لا شك أن هذه النطقة كانت حقلاً هاماً و متسعاً لأعمال بطرس الرسول الكرازية باعتباره رسول الختان الأول .

إرسال تعليق

0 تعليقات