مدرسة الإسكندرية اللاهوتية




بقلم: القمص ميخائيل جريس

نشأة هذه المدرسة وشهرتها :
عندما حضر مارمرقس إلى مصر كانت الإسكندرية مركزاً هاماً للثقافة الوثنية ، وفي مدرستها الوثنية ومكتبتها الشهيرة تخرج كثير من الفلاسفة والعلماء – فكان لابد أن يقيم مدرسة لاهوتية لتثبيت الناس في الدين وترد على افكار الوثنين وكان مارمرقس نفسه باللغات العبرية والاتينية واليونانية وحسب ثقافته أدرك مقدار خطر الفكر الوثني وهكذا انشأ مدرسة لاهوتية مسيحية في الإسكندرية عين لرئاستها العلامة يسطس .


المدرسة الوثنية والمدرسة المسيحية ومدى العلاقة بينهما :
المدرسة الوثنية هي التى أنشأها بطليموس الاول ملك مصر وقد بلغت ذروتها في العلوم والفلسفة في القرن الاول للمسيحية ولم توجد مدرسة تعادلها في دراستها الطبيعية والعلمية في الطب والتشريح والرياضة والفلك من أجل هذا كانت هذه المدرسة منافسا للمدرسة المسيحية . ومع ذلك عاشت المدرستان جنباً إلي جنب لكل منها طابعه الجامعي الخاص .


ولكن هدف التعليم في المدرستين يختلف :
اولاً : هدف الدراسة في المدرسة الوثنية هو الوصول الى مركز مرموق في الدولة بينما في المدرسة المسيحية لم يكن هدفاً على الرغم من أن خريجي هذه المدرسة يصلحون لذلك .


ثانياً : كان مستوى طلبة المدرسة الوثنية الأخلاقى وكذلك الأساتذة منحطاً بعكس المدرسة المسيحية فالأخلاق كانت من ابرز خواص المدرسة أساتذة وطلبة .


ثالثاً : أن الفلسفة والعلوم كانت تدرس في المدرسة الوثنية بقصد الثقافة بقصد بينما كانت تدرس في المدرسة المسيحية لغرض ديني .


رابعاً : كان طلبة المدرسة الوثنية من مستوى ثقافي وأجتماعى معين والطلبة كانوا ذكروا فقط عكس المدرسة اللاهوتية كان التعليمن عاما للجميع لا تميز بين السيد والعبد والذكر والأنثى الجميع واحد في المسيح يسوع بالإضافة إلي أن سنوات الدراسة في المدرسة الوثنية كانت محدودة عكس المدرسة اللاهوتية فكانت غير محدودة .


المدرسة اللاهوتية ( سماتها ومنهجاً وخطة الدراسة فيها ) :
كان فلاسفة الوثنيون يدرسون الكتاب المقدس لكي ينقضوه ويشككوا الناس فيع ولذلك وقفت المدرسة اللاهوتية تناهض الوثنية بكل طاقاتها واصبح لها دور هام في المنافسة الفكرية حتى إنها أدخلت في برامجها الفلسفية الوثنية بشتى فروعها على يد القديس إكليمنضس الإسكندري ( حتى تستطيع ان ترد على هجمات الوثنين ) كما نادى القديس إكليمنضس بأن الفلسفة خادمة امونيوس السقاص زعيم فلاسفة الوثنين .


أما عن خطة الدراسة ونظامها في الدراسة اللاهوتية :
· لم تكن الدراسة بالمدرسة اللاهوتية دراسة عقلانية كما توهم البعض لكن كانت هناك رياضيات روحية فكانوا يصلون ويقرأون ويصومون .
· وقد كانت الاكليريكة في عهدها الأول مدرسة دينية مسيحية تعنتي بشرح التعليم المسيحي وتبسيطة بطريقة السؤال والجواب وكان طلابها من ثلاثة أنواع :


1 – فريق كان وثنيا يريد أن يعرف الحقيقة ) فيفتش عليها بالدراسة في هذه المدرسة .


2 – الفريق الثانى من كان وثنياً وأمن بالمسيحية ولكنه لم يكن قد حصل على سر المعمودية ( أي كان في صفوف الموعوظين ) وما زال يدرس ويؤدى امتحانات حتى إذا جاز الامتحان النهائى يسمح له بالعماد .


3 – الفريق الثالث والأخير وهم المسيحيين ولكن للدخول للعمق اكثر ولكي يزداد رسوخاً وأيماناً يدرس في هذه المدرسة ولكي يتمكن من الخدمة في الكنسة والعمل على نشر المسيحية
و لقد تناظر أساتذة و علماء المدرستين الوثنية و اللاهوتية و كان نتيجة لذلك أن اهتمت المدرسة اللاهوتية بدراسة العلوم و الثقافة المختلفة فقد أدخلت فيها علوم الطب و الكمياء و الطبيعة و الحساب و الهندسة و الفلك و الجغرافيا و التاريخ و الموسيقى و اللغات .


و لم يكن للمدرسة الاكليريكية اللاهوتية فى عهودها الأولى مبنى خاص أنما كانت مركزة فى علمائها . و حيثما يوجد أستاذها كانت توجد المدرسة – و كان الأستاذ يأخذ تلاميذه فى بيته الخاص . و قد ذكر عن العلامة اوريجانوس اشهر أساتذتها يستأجر لها قاعات ليعظ فيها فى أيام الاضطهاد و الاستشهاد فلما كانت تلك القاهات تحطم بسببه كان يستأجر غيرها أو يعلم فى أى مكان . و قد كان الأستاذ له الحرية أن يعلم طلبته كما يتهيأ له الظروف أو كما توصى إليه طبيعته الخاصة أو حاجة الطلاب و ظروفهم و لكن بعد ذلك بدأت الاكليريكية تعد منهج خاص للدارسين ينقسم إلى ثلاث مراحل :-

المرحلى الأولى :-
مرحلة العلوم فيها يدرسون الهندسة و الفسيولوجيا و الفلك ( هذه الدراسة لتنمية ملكات الاستدلال و الملاحظة و النظام )

المرحلة الثانية :-
دراسة الفلسفة و أقوال الفلاسفة و تفسيرها .

المرحلة الثالثة :-
مرحلة دراسة العلوم اللاهوتية و كان المنهج الجدلى هو المنهج المتبع فى دراسة اللاهوت . هكذا كان لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية أهمية خاصة حتى أن الإمبراطور ثيؤدسيوس قال مرة " أن الذى يهرب من هذه المدرسة يعد كافراً "

مدرسة الإسكندرية و التفسير الرمزى :-
كان عمل المدرسة الرئيسى هو شرح كلمة الله بطريقة روحية و إعلان ما تحمله من أعماق داخلية وراء الرموز .
و كانت مدرسة الإسكندرية التعليمية أشهر معهد فى العالم المسيحى الأول و كان اهتماماً منصبا على دراسة الكتاب المقدس و قد ارتبط اسمها بالتفسير الكتابى

دور المدرسة فى حياة الكنيسة و اثار طلبتها و خريجها و أساتذتها :-
كانت المدرسة جزءا لا يتجزأ من الحياة الكنسية و قدمت ضوءاً على أهمية العلم و التعليم بوجه عام كما خلقت قادة فى الفكر و فى العمل الكنسى الرعوى على المستوى المحلى و المسكونى .
1- اهتمام المدرسة بالفلسفة اليونانية تترع عنها أى نظرة ضيقة نحو المسيحية كتراث إقليمى يرتبط بجماعة محلية أو ثقافيه خاصة و بهذا ربحت الكنيسة نفوس كثيرة للسيد المسيح من عينات مختلفة على كافة الممستويات الفلسفيه و الفكرية و وصف " شان" قدرة المدرسة على الكرازة بين الفئات المتباينة خلال اتساع نظريتها قائلاً " كانت من جهة حصنا للكنيسة ضد الاشرار ... و من جهة أخرى كانت جسر للعبور من العالم إلى الكنيسة "


2- هذا الاتجاه جعل من أساتذة المدرسة رجالا مسكونيين ( أمثال إكليمنضس و اريجانوس ) و فى القرون التالية حمل رجالها أمثال القديس اثناسيوس الرسولى و كيرلس الكبير مسئوليات كنيسة على مستوى مسكونى و جاء من تلامذتها قادة فكر مسيحى أمثال القديس غريغوريوس اسقف نيصص الذى يفتخر دوماً بمعلمه القبطى العلامة اوريجانوس


3- استطاعت المدرسة أن تروى ظمأ المسيحيين بالاسكندرية نحو المعرفة الدينية وتحثهم علي الدراسة والبحث وبهذا ساهمت في إنشاء اول نظام للدراسات اللاهوتية في العالم او كانت بحق مهد اللاهوت المسيحي منها خرج رجال قادرون علي الرد علي امثال اكليمنضس وارويجانوس والدفاع ضد الاريوسية مثل القديس اثناسيوس وضد نسطور مثل القديس كيرلس الكبير .


4- قيام هذه المدرسة اعطي إمكانية الحصول علي التعليم الذي تقدمه المدرسة الوثنية العظمي لكن بواسطة معلمين مسيحيين .

المدرسة الاكليريكية والكرسي المرقسي : -
عندما انشأ القديس مارمرقس المدرسة الاكليريكية كان قد امن برسالتها وانه لا يمكن ان تعيش الكنيسة بدونها لان الكنيسة لا تعيش بدون اللاهوت لذلك انشأ هذه المدرسة وعين القديس انيانوس اول اسقف لادارتها وبعد ذلك تولي ادارتها في اواخر حياه مارمرقس اساتذة ومديرون اشتهروا بالعلم والتقوي والغيرة الكبيرة علي خدمة كلمة الرب كما شهد لهم يوسابيوس .


واختير منهم الكثيرون للكرسي المرقسي وبخاصة ان الرهبنه لم تكن قد ازدهرت ولا حتي قد ظهر في ذلك الزمان . واول مدير لهذه المدرسة اللاهوتية القديس العلامة يسطس الذي جلس علي كرسي مارمرقس وصار السادس في عداد البطاركة . وعين القديس امونيوس مديرا للمدرسة – ولما جلس امونيوس " السابع" علي الكرسي المرقسي عين مركيانوس لادارة المدرسة وصار مركيانوس الثامن في عدد البطاركة .


وكان البابا يوليانوس (11) من تلاميذ هذه المدرسة اللاهوتية وفي عهد البابا ديمتريوس (12) تعين ياروكلاس مديرا للمدرسة بعد اوريجانوس وصار البابا الثالث عشر وفي عهده عين القديس ديونسيوس للتدريس في المدرسة اللاهوتية وصار هو ايضا البابا الرابع عشر وكان ياروكلاس وديونسيوس من تلاميذ اوريجانوس . وتخرج من هذه المدرسة ايضا البابا بطرس
(17) خاتم الشهداء والبابا ارشيلاوس ( 18) والبابا اثناسيوس (20) والبابا تيموثاوس (22) فقد كان التقليد الجميل المتبع ان مدير الاكليريكية هو يعين بطريركا لعمق روحانياته ولسعة دراساته اللاهوتية ...... أي ان مدير الاكليريكية يعتبر الرجل الثاني بعد البطريرك . وعن طريق هذه المدرسة حفظت التعاليم اللاهوتية المسلمة بالتسليم الرسولي والتقليد دون حذف او زيادة ولذلك كان باباوات هذه الكنيسة هم الذين يرأسون المجامع المسكونية لان هذه الكنيسة بفضل مدرستها اللاهوتية كانت معلمة المسكونه كلها في اللاهوت الاثوذكسي . لذلك فقد نجحت مدرسة الاسكندرية اللاهوتية في قيادة الكنيسة الجامعه أذ ان ابطالها في المجامع المقدسة من خريجي هذه المدرسة الذين درسوا اللاهوت الارثوذكسي دراسة خالية من الهرطقات لذلك كان الاتجاه الفكري في الاسكندرية مطبوعا بنظرة تصوفية كما كان الاتجاه في تفسير الكتاب المقدس بالاضافه الي المعني الحرفي كان هناك معنيين اخرين وهما المعني الرمزي والمعني الروحي .

المدرسة الاكليريكية والكنائس ( الكراسي ) الاخري :-
لم يقف عمل المدرسة اللاهوتية بالاسكندرية علي حد تخريج البطاركة او ابطال المجامع المسكونية ولكن عملها امتد خارج الكرازة المرقسية فقد تخرج من هذه المدرسة كثير من الاساقفة المشهورين لايبارشيات خارج الكرازة المرقسية ومن امثلتهم اغريغوريوس العجايبي الذي كان امن علي يد اوريجانوس وصار تلميذا له وكتب رساله كبيرة يمتدح فيها ما قاله من دراسة عميقة في المدرسة وما اخذه من قدوة صالحة من الاساتذه . وكثيرون لم يتتلمذوا شخصيا في مدرسة الاسكندرية اللاهوتية ولكنهم تتلمذوا علي كتب علمائها ومن هؤلاء القديسون باسيليوس الكبير واغريغوريوس الناطق بالالهيات ويوحنا ذهبي الفم الذين تتلمذوا علي كتب اوريجانوس ودافعوا عنه وقد احتمل ذهب الفم المحاكمة في سبيله ومن هنا جاء تسمية بطاركة الاسكندرية بقضاء المسكونة .

علماء المدرسة وفلاسفتها الافزاز :-
من علماء هذه المدرسة المشهودة لهم الفيلسوفاثينا غوراس وهو من المدافعين المشهورين عن المسيحية وعقائدها . ومن فلاسفتها ايضا القديس بنتينوس الذي بشر في الهند وبلاد العرب . الذي له الفضل الكبير علي الغة القبطية ثم القديس اكليمنضس الاسكندري الذي امن بالمسيحية علي يد بنتينوس وصار من اشهر علماء المسيحية ووضع كتبا عديدة اشهر المتفرقات
وخلف هذين العالمين القديسين العلامة اوريجانوس اشهر فلاسفة المسيحية وكتابتها في شتي العصور وهو يعد من علماء المدرسة الرمزية في التفسير وسار علي منهجة فيما بعد القديس اوغسطينوس .


ومن علماء المدرسة ايضا البابا ديونيسيوس ( 14 ) وقد اعتبر حجة في اللاهوت . ومن العلماءالافزاز الذين تخرجوا منها البابا القديس اثناسيوس الرسولي (20) الذي يعتبر ابا لجميع علماء اللاهوت والذي وضع قانون الايمان المسيحي وتزعم الدفاع عن لاهوت الابن في مجمع نيقيه وباقي ايام حياته ووضع كتبا كثيرة اشهرها الرد علي الاريوسيون وتجسد لكلمة والرساله ضد الوثنين ورسائل عن الروح القدس وحياة القديس انطونيوس وقد نقل هذه الكتب الاربعة الاخيرة الي اللغة العربية الاب الموقر القمص مرقس داود .


وفي عهد القديس اثناسيوس الرسولي تولي قيادة هذه المدرسة اللاهوتية العالم الكبير القديس ديديموس – وقد اشتهر بعلمه الكبير حتي اتي القديس جيروم ليدرس علي يديه بالاسكندرية وترجم له كتابه عن ( الروح القدس ) الي اللاتينية كما امتدحه القديس انطونيوس الكبير وقال له لا تحزن يا ديديموس لفقدك بصرا جسديا يوجد لدي الحيوانات والحشرات لكن ينبغي ان تفرح ان لك عينان روحانيتان تستطيع ان تنظر بهما نور اللاهوت . وقد امتاز ديديموس بقوة إقناعه وبادبه الجم في مناقشاته اللاهوتية حتي درس علية كثير من فلاسفة الوثنيين وخلف لنا كتبا كثيرة في اللاهوت والعقيدة والتفسير .


ومن الاساتذه الاخرين لهذه المدرسة ثاؤغنست وبيروس القديس ديونسيوس ولقد لقب بيروس لعمق بأنه ( اوريجانوس الجديد ) وتولي قيادة المدرسة ايضا سرابيون ومقار قبل القديس ديديموس ورودون في عهد البابا كيرلس الكبير
ومن اكثر الذين قاموا بترجمة تاريخ علماء المدرسة اللاهوتية يوسابيوس القيصري ونيافه الحبر الجليل الانبا اغريغوريوس اسقف الدراسات العليا والبحث العلمي وجناب الاب الورع القمص تادرس يعقوب ملطي .

اضمحلال المدرسة اللاهوتية :-
وبالحقيقة كانت الكنيسة مزدهرة ونامية طوال العصور التي ازدهرت فيها مدرسة الاسكندرية اذ كانت مصدرا للنور والمعرفة اللاهوتية والدينية لا يمكن الاستغناء عنها وكانت ايضا سر القوة الخفية وراء كنيسة الاسكندرية في القرون الخمسة الاولي – اذ هو سر شهرة باباواتها وبطاركتها اذ كانوا يحسبون كحراس للايمان الاثوذكسي وبسبب اتساع افندتهم كانوا شغوفين بالمعرفة فحسبوا " معلمي المسكونه " وكانت لهم الكلمة الاخيرة الفاصلة . وفي اواخر القرن الخامس الميلادي ضعف الاقبال علي المدرسة اللاهوتية واصابها الذبول والانحلال وقد راينا العلامة رودون وهو اخر مدير للمدرسة نقلها من الاسكندرية الي صيدا .


واخيرا بعد ان كانت المدرسة منارة للمسيحية في العالم كله بدأت تضعف نتيجة انقسام الكنيسة في مجمع خلقدونية المشئوم سنه 451م وهكذا تخلفت المدرسة وانتقل التراث العلمي واللاهوت الي الاديرةفي وادي النطرون .

إرسال تعليق

0 تعليقات