أيام الانتظار ومولد الكنيسة " بين القيامة والصعود "







بقلم: القمص ميخائيل جريس


+ بين القيامة والصعود :
أهم ما يميز مدة الأربعين يوماً بين قيامة السيد المسيح وصعوده ، وظهورته لتلاميذه .... ولقد كان لتلك الظهورات آثار هامة :
لقد أكدت لهم حقيقة قيامته من بين الموات بما لا يدع مجال لأي شك ( أع1 : 3 ) ورفعت من معنويات الرسل ، وملأت قلوبهم فرحاً وعزاء ( يو20 : 20 ) .... كما أن تلك الفترة كانت بمثابة فترة تمهيدية لأعمال الخدمة والكرازة في المستقبل القريب ، لقن فيها السيد المسيح تلاميذه كثيراً من المعلومات التي ما كلنوا يحتملوها قبل ذلك ( يو16 : 25 ، أع1 : 3 ) .... ويؤكد ذلك أن تلك الققاءات لم تكن مجرد ظهورات خاطفة ، بل امتدت واستطالت . ومن أمثلتها الرحلة التي صحب الرب فيها تلميذي عمواس بعد ظهر يوم أحد القيامة ، وقطع المسافة من أورشليم على عمواس ؟ ، وهى ستون غلوه أي نحو سبعة أميال ، وتستغرق اكثر من ساعتين مشياً علي الأقدام . وخلال هذه الرحلة " أبتدأ من موسى ، ومن جميع الأنبياء ، يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب " ( لو24 : 13 – 27 ) .... وأيضاً الظهور الثالث الذي أظهر فيه ذاته لتلاميذه عند بحر طبرية ، ومكث فيه معهم من الصباح حتى ما بعد الغداء ( يو21 : 4 – 15 )


+ بين الصعود ويوم الخمسين :
بعد أن أرتفع السيد المسيح عن تلاميذه عند جبل الزيتون ، وصعد إلى السماء ، ورجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم ( لو24 : 52 ) .. وكان فرحهم لأنه صعد إلى الآب ( يو14 : 28 ) ولأنه سيأتى ثانية ( أع1 : 11 ) وفي اورشليم اجتمعوا في العلية التي كانت في بيت أم مارمرقس الكاروز .. هناك كانوا يواظبون بنفس واحدة علي الصلاة والطلبة مع نساء مؤمنات ، في مقدمتهن مريم العذراء لقد أوصاهم الرب أن يذهبوا إلي العالم أجمع ويكرزوا باإنجيل للخليقة كلها ، لكنه في نفس الوقت أمرهم بالبقاء في أورشليم ، انتظارا لموعد الاب ( الروح القدس ) ... بل لقد حذرهم من مبارحتهم قبل أن يلبسوا قوة من الأعالى ( لو24 : 49 ، أع1 : 4 ) ... وفي هذه الفترة ، كان لابد أن يختاروا تلميذاً خلفاً ليهوذا الخائن .... واشترطوا أن يكون أحد الذين اجتمعوا معهم كل الزمان منذ معمودية يوحنا إلى ذلك الوقت ، حتى يشهد معهم بقيامة الرب المجيدة ، التي ستصبح حجر الأساس في العمل الكرازي الجديد فصلوا وطلبوا إلي الرب أن يظهر اختياره لأحد أثنين : يسطس أم متياس .. ثم ألقوا فوقعت على متياس ( أع1 : 15 – 26 ) فصار واحدا من الأثنى عشر وهي المرة الوحيدة التي ذكر فيها استخدام القرعة .


+ يوم الخمسين :
في اليوم الخمسين لقيامة السيد المسيح ، وفي الساعة الثالثة بالتوقيت العبري ( التاسعة صباحاً بتوقيتنا ) أثناء احتفالات اليهود في أورشليم بأحد أعيادهم الكبرى – وهو عيد الخمسين – حل الروح القدس علي الرسل والتلاميذ ( جميع الموجودين بالعلية ) بينما كانوا مجتمعين بها بنفس واحدة ، وإذا صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة ، وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين ... وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت علي كل واحد منهم ، وامتلأ الجميع من الروح القدس ( أع2 : 1 – 4 ) . لقد أختار الرب هذه المناسبة عند اليهود موعداً لمولد كنيسته ، حيث تتم رموز وأشارات ... لذا يحسن ائن نقف قليلاً لنعرف شيئاً عن هذا العيد عند اليهود ... كان لهذا العيد اليهودي ثلاث تسميات : عيد الحصاد ( خر23 : 16 ) ، وعيد أوائل الثمار ( عد28 : 26 ) . وعيد الأسابيع ( تث16 : 9 ، 10 ، لا 23 : 15 ) وأطلق عليه عيد الخمسين لأنه يقع في اليوم الخمسين بعد الفصح اليهودي ... كان هذا العيد من حيث تسميته بعيد الأسابيع ، يبدأ مباشرة بعد عيد الفصح ، بتقديم أول حزمة من حصاد الشعير ، وينتهى في عيد الخمسين بتقديم أول رغفين من حصاد القمح . وكان يحتفل بعيد الخمسين يوماً واحداً وهو من أعياد اليهود الثلاثة الكبرى السنوية الفطير والحصاد والمظال التي كان علي جميع ذكور بني إسرائيل أن يظهروا فيها أمام الرب إلههم ( تث16 ) كان هذا العيد عند اليهود عيد فرح وبهجة . وكان يقع في ألفطف فصول السنة . ولذا كان يجذب اعداد ضخمة من اليهود الزائرين من البلاد والأقاليم الأخرى إلى أورشليم ويصف يوسفيوس اليهودي هذا العيد ويتكلم عن عشرات الآلاف الذين كانوا يجتمعون حول الهيكل في هذه المناسبة وكان عدد كبير من اليهود الوافدين من بلاد بعيدة إلى أورشليم لحضور عيد الفصح يبقون فيها حتى يحضروا هذا العيد أيضاً . كان عيد الخمسين إذن – بحسب ما جاء في الكتب المقدسة – هو عيد الحصاد أو عيد أوائل الثمار أو عيد الأسابيع .... لكنه كان أيضاً – طبقاً لتقليد الربيين في التلمود – هو عيد الاحتفال السنوي بتذكار تسلم الشريعة في سيناء ... فقد قيل أن موسى استلم الشريعة فوق جبل سيناء ، وفى اليوم الخمسين لخروج بني إسرائيل من مصر . ومن هنا جاءت تسميته بالعبرية ( عيد البهجة بالناموس ) كانت هناك عادة يهودية قديمة حرص اليهود عليها في العصر الرسولي ... كانوا يقضون الليلة السابقة لعيد الخمسين في تقديم الشكر لله من أجل عطية الناموس .


+ العيد التأسيسي للكنيسة :
لا شك أن الله الذي يتمم كل أموره بحكمة ، أختار مناسبة هذا العيد اليهودي ليجعل منه عيداً لمولد الكنيسة ، فأرسل روحه القدوس بقوة علي رسله وتلاميذه وأسس كنيستى علي الأرض .... كانت فرصة هذا العيد اليهودي أكثر ملاءمة لتأسيس الكنيسة المسيحية من عدة وجود ، بالنظر للمدلولات اليهودية للعيد ... لقد كانوا تحتفلون به كعيد لحصاد المزروعات ، فاضحى عيداً لحصاد الزرع الجيد الذي هو بنو الملكوت ( مت13 : 38 ) ... وكانوا يحتفلون به كعيد لأوائل الثمار الزراعية ، فغدا في المسيحية عيداً لأوائل الثمار الخلاصية ، حين أنضم إلي الكنيسة في ذلك اليوم ثلاثة آلاف نفس ... هذا بالإضافة إلي ثمار الروح القدس التي تكلم عنها الرسول ( غل5 : 22 ) ... ثم أنهم كانوا يحتفلون به كتذكار لإعكائهم الشريعة المكتوبة علي لوحين من حجر فأصبح عيداً للروح القدس روح الحياة الذي كتبت به وصايا الله لا هي ألواح حجرية ، كما حدث في القديم بل في ألواح قلب لحمية ( 2كو3 : 3 ) . وثمة نظرية أخرى ... فالعدد خمسين يشير إلى العفو والصفح ... ففى العهد القديم كانت تقدس السنة الخمسون ، ويعفى المديونون من ديونهم ويحرر العبيد " وتقدسون السنة الخمسين ، وتنادون بالعتق في الرض لجميع سكانها وتكون لكم يوبيلاً وترجعون كل إلى ملكه ، وتعودون كل إلى عشيريته " ( لا 25 : 10 ) كانت هذه السنة تبدأ بيوم الكفارة حين يضربون بالبوق إيذانا سنة اليوبيل ... فالعدد 50 إذا كان ينظر إليه كرمز للعفو عن الديون ... ثم أن عيد الخمسين اليهودي ، كان اكثر ملاءمة لتاسيس الكنيسة من جهة الجماهير التي كانت تحضره . فقائمة الشعوب التى اوردها القديس لوقا في ( أع2 : 8 – 11 ) كانت على وجه التقريب تشمل أنحاء الإمبراطورية الرومانية التى كانت بدورها تضم معظم العالم القديم المعروف وقتذاك ... والغرباء الذين ذكرهم لوقا كشهود كرازة الرسل .. ومما لا شك فيه أن أولئك الذين آمنوا في يوم الخمسين حملوا إيمانهم الجديد إلى أخوهم قبل أن يصل إليهم الرسل في كرازتهم . وهذا يوضح لنا وجود مسيحيين في دمشق قبل إيمان بولس ( أع9 : 2 ) ، ووجود عدد كبير من المؤمنين في روما ، قبل أن يكتب لها بولس رسالته بوقت كبير ( رو1 : 8 ) . كان إعطاء الشريعة في سيناء مصحوباً برعود وبروق وسحاب ثقيل على الجبل وصوت بوق شديد جداً ، ارتعد منه كل الشعب الذى كان في المحلة ... لذا لا تعجب أن جاءت كنيسة العهد الجديد إلى الوجود أيضاً بعلامات عجيبة ملأت المشاهدين دهشة وحيرة ( أع2 : 6 ، 7 ) . لقد صاحب حلول الروح القدس على الرسل والتلاميذ مظاهر ثلاثة : - صوت كما من هبوب ريح عاصفة ، وظهور ألسنة منقسمة كأنها من نار استقرت على كل واحد منهم ، والتكلم بألسنة أخرى .... والريح في كتاب العهد القديم نراها رمزاً للقوة الروحية الخلاقة ، ورمزاً للعمل غير المنظور ( يو3 : 8 ) والحرية السامية التي للروح القدس " حيث روح الرب هناك حرية " ( 2كو3 : 17 ) ... والنار كانت معروفة لدى بنى إسرائيل . فقد حل الله علي جبل سيناء بالنار ( خر19 : 18 ) ، وهى تكنف مجد الله ( حز1 : 4 ) . وهى تشير الي عمل التظهير الذى للروح القدس ( أش6 : 6 ،7 ) .... والتكلم بألسنة هو تصويب لما حدث قديماً عند برج بابل حينما بلبل الرب لسان هؤلاء الأشرار ومهما يكن من أمر فأن حلول االروح القدس علي التلاميذ في ذلك اليوم ، وصيروتهم هياكل لله ومساكن لروحه لهو اكبر معجزة في حياة البشر الداخيلة ، لأنهم به نالوا طبيعة جديدة عوضاً عن الطبيعة القديمة التي أفسدتها الخطية .


+ عظة بطـــــرس :
وعظة بطرس التي ألقاها في يوم الخمسين ( أع2 : 14 – 36 ) . هي عظة بسيطة لكن روح الله الذى كان يصحب كلماتها ، نخس قلوب السامعين ... فلما سألوا الرسل عما ينبغى أن يعملوه ، أجابوهم " توبوا وليعتمد كل واحد منكم علي أسم يسوع المسيح لغفران الخطايا ، فتقبلوا عطية الروح القدس " وهكذا انضم إلي الكنيسة في ذلك اليوم ثلاثة آلاف نفس ... أما عن موضوع العظة ، فباستثناء الربط الذي ربط به القديس بطرس أحداث تلك الساعة بنبوءة يؤئيل النبي ، نجد أن هدف العظة الكبير هو إثبات أن يسوع الناصري الذى قتله اليهود ظلماً وقام من الأموات ، هو عينة المسيا الذي تنبأ عنه داود وجاء من نسله حسب الجسد . لكن التركيز الأكبر في العظة كان على قيامة الرب يسوع من بين الأموات ( أع2 : 24 ، 27 ، 31 ، 32 ) .


+ أثر يوم الخمسين :
" وامتلأ الجميع من الروح القدس " ( أع2 : 4 ) ... هذه هي الأعجوبة الحقيقية الداخلية ، ومحور ما حدث في يوم الخمسين ... ونلاحظ أن الروح القدس لم يحل على الرسل وحدهم ، بل علي كل التلاميذ ( كل المؤمنين ) المجتمعين في العلية منتظرين موعد الآب ، وكان عددهم مائة وعشرين ( أع1 : 15 ) .. كان ما حدث في سوم الخمسين هو الوحي العظيم الذي أعانهم فيما بعد ليصبحوا معلمين ملهمين ذوى سلطان للإنجيل ، سواء باللسان أو القلم ... وما كان غامضاً صار الأن واضحاً مفهوما لهم ... لقد كشف لهم الروح القدس عن حقيقة الفادي وعمله علي ضوء قيامته المجيدة ، وملك عليهم ( عقولهم وقلوبهم )


كنيسة أورشليمولدت الكنيسة يوم الخمسين باورشليم ، ولذا عدت كنيسة أورشليم هي الكنيسة الأم لليهود المنتصرين ، بل للعالم المسيحي كله فيما بعد .... ونستطيع أن نتصور الحياة التي كانت تحياها تلك الجماعة المسيحية الناشئة ... كانوا قلة في عددهم ، خصوصا بعد أن عاد شهود يوم الخمسين الذين آمنوا إلى أوطانهم .... كانت الحياة وكل شئ داخل هذه الجماعة الجديدة ، يجرى في بساطة ، حتى إن القديس لوقا حينما يصور تلك الفترة المبكرة يقول عن المؤمنين أنهم كانوا " يكسرون الخبز في البيوت ويتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب " ( أع2 : 46 ) . لكن . ومع ذلك ، كانت هذه الكنيسة الناشئة تنمو داخيلا وخارجيا علي أيدي الرسل وهنا نذكر القديس بطرس الذي كان له بحكم سنه وخبرته وحماسه الفطري – دور قيادى في تلك الفترة المبكرة من حياة الكنيسة ساعد الرسل عدد من الكهنة القسوس وسبعة شمامسة للعناية بالفقراء والمرضى .... وكان روح الله يعمل – لا في الرسل وحدهم بل في جميع التلاميذ أي المؤمنين ، فقفز عدد المؤمنين من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف ( أع4 : 4 ) أما عوامل النمو فكانت الكرازة بالانجيل وعمل المعجزات باسم الرب يسوع وحياة المؤمنين العجيبة في إيمانها وحبها وكل فضيلة . كان المؤمنين بقيادة الرسل يصعدون إلي الهيكل للعبادة كما كان يفعل معلمهم .. اما اجتماعات العبادة الخاصة فعقدوها في البيوت ( أع2 : 46 / 5 : 42 ) كما واضبوا علي تناول عشاء الرب وفي كل ذلك كان يجمعهم احساس بأنهم جماعة واحدة واعضاء جسد واحد رأسه المسيح ... وقد لازموا الهيكل وعبادته ، وتمموا الناموس القديم ، بقدر ما سمحت لهم حياتهم الجديدة ، وإيمانهم الجديد ... وعظات القديس بطرس للشعب امتزت بالبساطة والاقناع . أما خطبة امام السنهدرين فلم تكن دفاعية بقدر ما كانت تبشيرية ومفعمة حماساً وغيرة وقوة واقناعاً وحكمة ولا شك أن ذلك كله كان من عمل روح الله الذي جعل من التلميذ الرعديد ، شاهداً صنديداً يشهد امام مجلس اليهود الأعلى ويقول " أن كان حقاً أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله فاحكما لاننا نحن أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا ... ينبغى ان يطاع الله أكثر من الناس " ( أع4 : 19 /، 20 ، 5 : 29 ) هكذا كانت يد الله القوية واضحة في الخدمة فكان " مؤمنون ينضكون للرب أكثر جماهير من رجال ونساء " ( أع5 : 14 ) وكانت " كلممة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جداً في أورشليم وجمهور كثير من الكهنة يطيعون افيمان " ( أع6 : 7 ) كان الرب هو العامل فيهم وبهم ، وهكذا ... " كان الرب كل يوم يضم على الكنيسة الذين يخلصون " ( أع2 : 47 ) أما نتيجة هذا التوفيق والنجاح في الخدمة فكانت سلسلة طويلة ومريرة من المؤامرات والاضطهادات مرت بها الكنيسة والمؤمنون .

الكنيسة خارج أورشليمبعد تأسيس الكنيسة المسيحية في يوم الخمسين ، اتجهت جهود الرسل الكرازية – كما ذكرنا – إلى تبشير اليهود أولاً ، وعلى الأخص في أورشليم ... فقد كان لزاما عليهم أن يشهدوا الرب أولاً أمام أخوتهم وفي معقل اليهودية ذاتها ويعملوا فيها علانية .... وبعد تأسيس كنيسة أورشليم تأسست كنائس في اليهودية والجليل والسامرة وعلي شاطئ البحر المتوسط . قد يظن البعض أن الرسل عقب تأسيس الكنيسة مباشرة وما بين عشية وضحاها انطلقوا إلى أقاصي المسكونة ليبشروها .. لكن الواقع غير ذلك فقد ظلت جهود الرسل والتلاميذ محصورة في نطاق بلاد اليهودية لمدة اثني عشرة سنة تقريباً وكان ذلك إتمام لوصية الرب لهم قبيل صعوده " تكونون لي شهود في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض " ( أع1 : 8 ) ... وحكمة الرب واضحة في ذلك ... فهو يريدهم أن يسيروا وفق سنن الطبيعة فيبدأون بالخدمة في الحقول الصغيرة كمقدمة لحقل العالم الواسع ويتدرجون من السهل إلي الأصعب والأعقد . وهكذا ، فأنه بفضل هذه الخطة الإلهية الحيكمة استطاعت المسيحية أن تنشر أنتشاراً ملحوظاً في خلال الخمسة عشر عام الأولي .... لكن ينبغي أل نكون مبالغين في تقديرنا لاتساع دائرة الإيمان سواء من ناحية الأماكن التي وصلت إليها الكرازة أو ناحية أتباع الديانة الجديدة والواقع أن المسيحية شقت طريقها بصعوبة إلي العالم اليهودي خارج اورشليم . ولا شك أن يوسابيوس المؤرخ كان مبالغاً جداً حينما قال أنه خلال حكم الإمبراطور طيباريوس – أى قبل سنة 37م ( أنا تعليم المخلص كل العالم بسرعة كأشعة الشمس . وللحال خرج صوت الإنجيليين والرسل الملهمين إلى كل الأرض ، والى أقصى المسكونة كلماتهم صوت الإنجيليين والرسل الملهمين على كل الرضي ، وإلى أقصى المسكونة كلماتهم . وسرعان ما تأسست الكنائس في كل مدينة وقرية ، وامتلأت بجماهير الشعب كبيدر مليء بالحنطة والآن نستعرض مركزين هامين من مراكز المسيحية خارج اورشليم : دمشق وإنطاكية ...


دمشق : هي أول مركز نلتقي به خارج أورشليم . ويمدنا سفر الأعمال بمعلومات عنها في موضعين . أولهما ما يتعلق بقصة اهتداء بولس حوالي سنة 37 على مقربة منها ، عقب الرؤيا التي رآها ( أع9 : 1 – 9 ) أما الموضع الثاني فهو ( أع11 : 19 ) حين يربط كاتب سفر الأعمال بين " الذي تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب ( مقتل ) اسطفانوس " وبين التبشير في فينقية – التى كانت دمشق تعتبر جزءا منها . وإذا كان حادث إيمان شاول الطرسوسى قد وقع حوالى سنة 37م ، فمعنى ذلك أنه كانت قد تأسست في دمشق جماعة مسيحية قبل ذلك التاريخ . لأن الرؤيا التى ظهرت لشاول قرب دمشق ، كانت وهو طريقه للانتقام من هذه الجماعة المسيحية ... وهؤلاء المسيحيون لابد وأنهم كانوا يهود قبل إيمانهم وإلا لما وقعوا في دائرة اختصاص رئيس كهنة اليهود في اورشليم ، الذى زود شاول برسائل من أجلهم ... وايضاً لأن بشرى الخلاص – حتى ذلك الوقت كانت لا تعرض إلا لليهود فقط ( أع11 : 19 ) .... كان السيحيون وقتئذ يدعون " رجال الطريق " ( أع9 : 2 ) . وهو اصطلاح يهودي خالص ، للتعبير عن شيعة جديدة ... كما أن حنانيا الذى أعلن له الرب عن اهتداء شاول ، وهو الذى عمده كان اسقفا على دمشق ، ويذكره سفر الأعمال بأنه رجل تقي حسب الناموس ومشهود له من جميع اليهود السكان فيها ( أع22 : 12 ) .


إنطاكية :


كانت مدينة انطاكيه الوقعة على شاطى نهر الأورنتس orontes في سهل خصيب ، هى المقر القديم لملوك سوريا . وغدت عبر التاريخ احد معاقل الحضارة الوثنية ، ومركزا هاما للثقافة الإغريقية بل كانت احدى المركز الكبيرة التى التقى فيها الشرق بالغرب ، واختلطت فيها ثقافتهما ... كانت مدينة دولية سكانها الأساسيون من السريان ، لكن كان فيها كثرة من اليونانيين واليهود ... وهكذا اصبحت انطاكية – بمبانيها الجميلة ، وعدد سكانها الكبير ، وتجارتها الواسعة ، وتفوقها الفنى ، وثرائها العريض – تعتبر ثالث مدن الأمبراطورية بعد روما والإسكندرية كان تأسيس كنيسة مسيحية في انطاكية حدثا هاما ذا نتائج ضخمة بالنسبة للكنيسة الأولى .. وكان تدبيرا الهيا هاما ، بفضل وضع المدينة ومركزها الجغرافى الممتاز .. وهكذا أصبحت الكنيسة الانطاكية مركز الانطلاق لنشر الأيمان الجديد .. فقد اصبح ممكنا أن ينتقل هذا الأيمان – بعد فصله مما علق به من العادات اليهودية المعقدة – إلى انحاء الأمبرطورية الأخرى ... يضاف إلى ذلك ، أن قصر المسافة بينها وبين أورشليم ، جعلها قادرة على الاتصال الدائم بالكنيسة الأم فيها يرجع تبشير انطاكية إلى الذين تشتتوا من أورشليم من جراء الضيق الذى حصل بسبب مقتل اسطفانوس ، كان بين هؤلاء تلاميذ من قبرص ومن القيروان بشروا اليونانيين أي الوثنيين ، فأمن عدد كبير منهم ( أع11 : 19 – 21 ) وهكذا تبدو انطاكية كالمركز الأول الهام لجماعة وثنية منتصرة ... كان لليهود في انطاكية جالية لا بأس بها ، لكن الإرسالية المسيحية لم تحصر ذاتها داخل حدود المجمع اليهودي ... كان هؤلاء التلاميذ القبرصيون والقيروانيون يمثلون اكثر اعضاء كنيسة أورشليم تحررا في المفاهيم الايمانية بالنسبة لليهودية ويرجح أنهم كانوا علي صلة بأسطفانوس ومن ثم فقد قصدوا تبشير الوثنيين ... لقد قبل كثير منهم الإيمان الجديد .. وهكذا تأسست أول كنيسة مسيحية خارج اليهودية والسامرة . وهكذا فتحت أبوبا العالم للأرساليات المسيحية – تلك الأبواب التي أحتفظت بها اليهودية مغلقة . ومنذ ذلك الوقت ، أخذ الدين الجديد وضعه السليم .. كانوا يدعون اليونانيين كما يدعوا اليهود ، وفي كل مكان في العالم وأرتفعت الكنيسة – ولأول مرة – لفهم كلمات رب المجد " الحقل هو العالم " ( مت 13 : 38 ) ، وفي بداية تكوين الجماعة المسيحية في أنطاكية أرسل الرسل من أورشليم برنابا إليها . وكانت خدمة برنابا في أنطاكيا مثمرة جداً " فانضم إلي الرب جمع غفير " ( أع11 : 22 ) . وإذ وجد برنابا أن الحصاد كثير ، سافر إلي طرسوس وأحضر معه شاول ( بولس ) إلي إنطاكية وظلا يخدمان بها سنة كاملة ( أع11 : 26 ) وصارا القائدين الفعليين للخدمة هناك .
أمتازت كنيسة إنطاكية في هذه الفترة المبكرة بكثرة مواهبها الفائقة . فوجد فيها أنبياء كثيرون ( أع 13 : 38 ) .... كما امتازت بتحلل المسيحية فيها من قيودها اليهودية وانطلاقها في كامل حريتها وجمالها . ففيها عرفت المسيحية – ولأول مرة باسمها الحقيقي " ودعي التلاميذ ( المؤنون ) مسيحيين في إنطاكية أولاً " ( أع11 : 26 ) لقد خلعت المسيحية علي أتباعها اسمها اليوناني الخاص . وكان مسيحيو فلسطين يسمون ( ناصريين ) ( أع24 : 5 ) وهذه التسمية أما أن الشعب هو الذى أطلقها بعد أن أبصروا تطور المسيحية وتقدمها وأما أنه أسم دمغهم به خصومهم من الأمم .. ومهما يكن من أمر فأن هذه التسمية ( مسيحيين ) في حد ذاتها برهان علي أن الجماعة الجديدة في أنطاكية وقفت في شجاعة متميزة عن اليهودية ، وأن الكنيسة لم تعد مجرد شيعة يهودية .. يضاف إلي هذا أن في إنطاكية – وربما للمرة الأولى – عاش الأمم واليهود المنتصرون جنباً إلي جنب متجاورين في الوقت الذي ظل اليهود اوفياء لعهادتهم اليهودية وناموسهم الذي كان يمنعهم من الأكل مع غير اليهود ، كما مع الوثنيين المنتصرين ... كانت هذه هي المشكلة التي واجهت بطرس الرسول في إنطاكية ، وبسببها قاومة بولس الرسول واتهمه بالرياء ( غلا2 : 11 – 14 ) .

+ إيمان شاول الطرسوسى :
ولعل اعظم البركات التى نتجت عن اضطهاد الكنيسة الأولى ، هى إيمان شاول الطرسوسى حوالى سنة 37م ... ذلك الرجل الذى كانت الغيرة تعمل في داخله بدوافع ومفاهيم فريسية خاطئة . ومن ثم جند ذاته لاستئصال شأفة المسيحية ، فكان يضطهد كنيسة الله بإفراط ويتلفها ( غل1 : 13 ) كان يحبس كثيرين من القديسين في السجون بأمر رؤساء الكهنة ، وكان يعاقبهم ويضطرهم إلى التجديف ... ولفرط حنقه ، كان يطاردهم إلى المدن خارج أورشليم ( أع26 : 10 ، 11 ) ... وفي إحدى حملاته الانتقامية التى جردها ضد المؤمنين في دمشق ، التقي بقائد هؤلاء المسحيين ورئيس خلاصهم عند مشارف دمشق ... وكانت معركة ، لكنها غير دموية وغير متكافئة سقط فيها شاول مستسلماً ، وغدا أسيرا .... أسرة الرب يسوع بلطفة وحنوه وحبه حين ابرق حوله نور سماوي ، وسمع صوتا يقول له " شاول شاول لماذا تضطهدني " ... وحين أعلن له الرب ذاته ، قال في استسلام عجيب " يارب ماذا تريد ان افعل " ... وهنا قال له الرب يسوع عما يريده ان يفعل ( اع9 : 1 – 6 ) لم ينس بولس هذه المعركة ... لم ينس ان الرب يسوع آسره يوما ... ذلك الضعف الذى طالما تغنى به على انه القوة عينها ... ذلك الآسر العجيب الذى عتقه وحرره ، الذى كان يحلو له فيما بعد ان يعلنه " بولس ... أسير يسوع المسيح " بعد هذا اللقاء الخلاصي ، ظل شاول فاقد البصر ثلاثة ، طواها صائما في دمشق . بواسطة رؤيا اعلنت لتلميذ يقال له حنانيا ، واخرى اعلنت لشاول نفسه ، قصثد بعدها حنانيا الى حيث كان شاول نازلاً ، ووضع يديه عليه فللوقت سقط من عينيه شئ كأنه قشور ، فأبصر في الحال ، وقام واعتمد وامتلأ من الروح القدس ( اع9 : 10 – 18 ) ... وامضى في دمشق ايامه مع المؤمنين اما " حنانيا " الذى عمد بولس ، فنحن لا تعرف الكثير عنه ... يذكره القديس لوقا على أنه " تلميذ اى مؤمن مسيحي ( اع 9 : 10 ) ، وبصفة القديس بولس بانه رحل تقى حسب الناموس ومشهود له من جميع اليهود ( اع22 : 12 ) .. ويذكره التقليد الكنسي على انه احد السبعين رسولاً واسقف دمشق .


+ مجمع اورشليم :
عقد هذا المجمع سنة 50 أو 51 م .... كان اول مجمع كنسى يعقد ويعتبر نواة للمجامع الكنسية التى عقدت بعهده ، وان اختلفت عنها كثيرا ... كانت مهمة المجمع مزودجة : أولاص – تقرير العلاقة الشخصية بين رسل الختان والأمم ، وتقسيم حقول الكرازة بينهم ، وثانياً : - حسم موضوع الختان ، وتقرر العلاقة بين المنتصرين من اليهود والمم ... وقد احرز المجمع بالنسبة للنقطة الأولى ، تقدما كاملاً ونهائيا . أما بالنسبة للنقطة الثانية فقد احرز استقرارا جزئيا ووقتيا ... وان كان سفر اعمال الرسل لم يسجل لنا كلل ما دار من مناقشات فيما يختص بهذا المجمع ، لكننا نعتقد ان مناقشات فردية بين الرسل سبقت وصاحبت انعقاد المجمع الرسمى ، الذى اشتركت فيه فئات مختلفة من أعضاء الكنيسة ... في هذ المناقشات الفردية ، حل موضوع قانونية رسولية بولس " وعرضت عليهم الآنجيل الذى اكرز به بين الأمم ولكن بالانفراد على المعتبرين لئلا اكون اسعى أو قد سعيت بطلاً ( غل2 : 2 ) : لم يشيروا عليه بأية تعديلات في منهج خدمته ، ولا اعطوه ىية توجيهات او توصيات ، بل اذ رأوا التوفيق العجيب الذى احرزه بولس وبرنابا في حقل الكرازة بين المم أعطوهم يمين الشركة ليكونا للأمم ، وأما هم فللختان الذى احرزه بولس وبرنابا في حقل الكرازة بين الأمم أعطوهم يمين الشركة ليكونا للأمم ، وأما هم فللختان ( غل2 : 8 ، 9 ) ... كل ما هناللك ، أنهم طلبوا من بولس ان يظهر حبة الأخوي ، ويقوى العلاقات بان يعاون فقراء اليهودية عامة ، و أورشليم بوجه خاص ، الذين كثيرا ما كانت تحل بهم الاضطهادات والمجاعات . وكان نولس قد عنى قبل ذلك بخدمة المحبة هذه ، وقام بها فعلا بفرح وعن ايمان ، بالجمع من كنائس الأمم ، وكان يحمل العطاء بنفسه الى أورشليم ( غل2 : 7 – 10 ) ( 43 ) ... هكذا ظهرت روح الآباء الرسل طيبة نحو بولس وبرنابا ، كما ظهر تقديرهم لهما في قرار المجمع النهائى ... " حبيبنا برنابا وبولس ، رجلين قد بذلا انفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح " ( اع15 : 25 ، 26 ) أما عن الموضوع الرئيسى ، الذى انعقد المجمع لأجله وهو موضوع " تهود الأمم " أو الزام الآمم الداخلين الي الأيمان لحفظ ناموس موسى فبعد مباحثات كثيرة تكلم بطرس وبعده برنابا وبولس ، واخيرا يعقوب اخو الرب اسقف اورشليم و رئيس المجمع ... وانتهى المجمع على القرار الأتى : " لا يوضع على المؤمنين ثقل اكثر غير هذه الاشياء الواجبة ، الأمتناع عما ذبح للأصنام ، وعن الدم المخنوق والزنا " ( اع15 : 28 ، 29 )


ملاحظات على المجمع وقراراته :
( 1 ) راس هذا المجمع القديس يعقوب اخو الرب اسقف أورشليم ، وليس القديس بطرس كما يدعى البعض . ولم يكن بطرس هو اول المتكلمين في المجمع أو بعبارة أخرى لم يكن هو الذى افتتح المجمع . فكلمة بطرس جاءت " بعدما حصلت مباحثة كثيرة " ( اع15 : 7 ) ... وكان كلامه عن خبرته السابقة في موضوع إيمان كرنيليوس الأممى .... أما يعقوب فكان اخر المتكلمين وأكثرهم أهمية ، وكان لكلامه وزن كبير أنهى مناقشات المجمع .


( 2 ) كانت المناقشات والمباحثات كثيرة ( اع15 : 7 ) ... لكن الروح القدس كان ايضاً حاضراً معهم ، وقاد هذه المناقشات ، ومن صدر قرارا المجمع اخيرا باسمه متحدا مع الكنيسة " لأنه قد رأى الروح القدس ونحن .... ( اع15 : 28 ) – وليس باسم بطرس .... أنها صورة مشرقة لروحانية الكنيسة الأولى ، ولما يجب أن تكون عليه المجامع الكنسية .


( 3 ) أحضر القديس بولس معه تيطس اليوناني الآممى .... ويبدو أنه أحضره ليقدم لكنيسة أورشليم عينه حية لما يمكن ان يفعله روح الله في الإنسان بدون الختان ( غل2 : 1 ) ويبدو أن فريق الفريسيين السابقين طالبوا بختانه لكن بولس صمد وقاوم بشدة " الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة ليبقى عندكم حق الإنجيل " ( غل2 : 5 )


( 4 ) بخصوص قرار المجمع فإنه لم يلزم الأمم بالتهود ، لكنه أوصي أن يمتنع " عما ذبح للأصنام ، وعن الدم ، والمخنوق ، والزنا " ( أع15 : 29 ) ...


وهذه النواهي هي ضمن ما كان يطالب به الأممي الذي يطلب التصريح له بحضور المجمع اليهودي ، وما قرره موسى بالنسبة للآمميين إذ أرادوا أن يجعلوا مقامهم في ارض اليهود ... فالطعام المقدم للأصنام ، سواء ما يؤكل في الهيكل الوثني او خارجه ، كان يعتبر شركة مع الشياطين ( تث32 : 17 ، 1كو10 : 20 ) .... والدم هو عنصر الحياة ، ولذا فهو مقدس لله ( تث12 : 23 ) ، والأشياء المخنوقة مازالت تحتفظ بدمها ، فلا يجب ان تؤكل تبعا لذلك ... ومن هنا ، فان هذه النواهى الثلاثة ، تتمشى مع تلك التى وضعت على الغريب الذى يقيم بين بنى إسرائيل ( لآ17 : 10 – 18 : 18 ) هذه النواهى الثلاثة السابقة تبدو معقولة ، اما النهىعن الزنا فيبدو غريبا . فالزنا امر غير مشروع لدى المسيحيين والأممين على السواء ، من اجل هذا راى كثيرون ان الزنا المشار اليه في قرار مجمع أورشليم ، إنما يقصد به الزيجات المحرمة كالحالة التى أشار إليها بولس في ( 1كو5 : 1 ) .

إرسال تعليق

0 تعليقات