البدع والهراطقات فى عصر الرسل








بقلم: القمص ميخائيل جريس

التهود
ويهدف اصحاب هذا الاتجاه الي ربط انفسهم بالناموس اليهود القديم ، وإدماج المسيحية باليهودية ، بحيث يصبح الانجيل هو الناموس القديم محسنا او مكملا . انهم يعتبرون المسيح مجرد نبي ، او موسي الثاني . وهم ينكرون او يغفلون طبيعته الالهية ووظائفه ككاهن وملك . كان هؤلاء المسيحيون المتهودون في حقيقتهم يهود ، وفي ظاهرهم مسيحيين بالاسم .....وقد مارسوا واتموا ناموس موسي الادبي والطقسي ، واعتبروه ملزما لهم ، وانه لازم للخلاص . ولم يفهموا المسيحية علي انها ديانه عامة مسكونية جديدة ، متحرره من الناموس القديم .


ومن الناحية المقابله ، قام بعض الامميين المتنصرين ، وحاولوا الانفصال عن الماضي كليه ، وقطع انفسهم عنه ، علي عكس المسيحيين المتهودين ومن هنا يمكن تسمية هذا النوع من الهراطقة ( الهراطقة المتأممة ) او الغنوسية والفظ اليوناني غنوسيس معناه ( معرفه) ...... والغنوسية هي محاوله فلسفية دينية ، رأت ان تطلق علي نفسها هذه التسمية ، لتعبر عن انها لا تؤمن الايمان الاعمي ، بل تعتمد علي العقل والمعرفة . لقد وضع الغنوسيون العقل فوق الايمان والفلسفة فوق الدين وجعلوا الفكر الخالص رقيبا علي الوحي ، يستطيع ان يرفض منه ما لا يقبله العقل . وان كانت الغنوسية لم تظهر في الكنيسة تحمل هذا الاسم الا في القرن الثاني لكن جذورها ومبادئها وتعاليمها وجدت في العصر الرسولي . وهناك إشارات واضحه في رسائل الرسل اليها ، وبخاصة رسائل كولوسي وتيموثاوس الاولي وتيطس وبطرس الثانية ويوحنا الاولي والثانية وسفر الرؤيا في الرسائل الموجهة الي اساقفة السبع كنائس وتتلخص الغنوسية في انها محاوله فلسفية لتفسير الشر و الخلاص منه مع رفض كتاب العهد القديم .. وهي تمجد العلم اكثر من اللازم ، وتقلل من شأن الايمان . وهكذا حول الايمان الي معرفة عقلية لله ..... وحاولوا تفسير وجود الشر بالقبول بالاثينية ، أي وجود اصلين للكائنات ، الروح الاعلي والمادة او الخير والشر .... اما خلاص روح الانسان المحبوسة في المادة ( الجسد ) فيكون حسب تعليمهم اما بالتزام النسكات الصارمة والابتعاد عن كل ما هو مادي بقدر الامكان ، واما الانغماس في كل ما هو شهواني ، زاعمين الانتصار علي الحس بالانغماس فيه ..... اما عقيدتهم في المسيح ، فهي انه خيال ، منكرين ناسوته ( وفكرة غنكار الناسوت ( الجسد ) عند الغنوسيين ، مصدرها الاعتقاد القديم ان الجسد هو العنصر المادي الذي فسد بالشر . فكيف للمسيح القدوس الذي غلب الشر ياتي في جسد ؟) والي هذه النقطة بالذان – غنكار ناسوته – اشار يوحنا الرسول في رسالته الاولي . والثانية " كل روح يعترف بيسوع المسيح انه قد جاء في الجسد فهو من الله . وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح انه قد جاء في الجسد ، فليس من الله " ( 1يو 4: 2، 3) .


كما وجدت محاولات معاصرة لنشأة الكنيسة المسيحية ، لادماج الديانه اليهودية في الفلسفة الوثنية، وبخاصة فلسفتي فيثاغورس وافلاطون . وقد قام بهذه المحاولات الفيلسوف اليهودي الاسكندري فيلو في القرن الاول الميلادي وبعض جماعات المتعبدين من الثبرابوت والاسينين وغيرهم ، واخذ هذا الخليط العجيب يظهر في المسيحية بالاسم المسيحي ، مكونا امه يهودية مختلطة بالوثنية او وثنية متهودة .


ومهما يكن الاختلاف بين الانواع الثلاثة من الهراطقات ، فانها تكاد تصل في النهاية الي انكار واضح للحق الجوهري في الانجيل ، وهو تجسد ابن الله من اجل خلاص العالم . انها تجعل من المسيح اما مجرد انسان ، او شخصية خيالية فائقة للطبيعة . وهي لا تعترف علي ايه الحالات باي اتحاد حقيقي دائم بين اللاهوت والناسوت في شخص المسيح ، وهذه هي العلامة التي وضعها يوحنا الرسول لضد المسيح انها تحاول ان تقوض اسا المسيحية بلا منازع . لانه اذا لم يكن المسيح هو الله المتانس والوسيط بين الله والناس ، فأن المسيحية تختفي غارقه في الوثنية او اليهودية .

اشهر الهراطقة
سيمون الساحراول ما ناتقي به في سفر الاعمال ، حيث نقرأ انه كان " يستعمل السحر ويدهش شعب السامرة قائلا انه شيء عظيم . وكان الجميع يتبعونه من الصغر الي الكبير قائلين هذا هو قوة الله العظيمة .


وكان يتبعونه لكونهم قد اندهشوا زمانا طويلا بسحره " .... ثم لما اتي الرسولان بطرس ويوحنا الي السامرة ليمنحا الروح القدس للمعمدين ، ورأي سيمون العجائب التي كانت تجري علي ايديهما ، قدم لهم دراهم قائلا " اعطياني انا ايضا هذا السلطان ، حتي أي من وضعت عليه يدي يقبل الروح القدس " فانتهزه بطرس قائلا له " لتكن فضتك معك للهلاك لانك ظننت ان تقتني موهبة الله بدراهم ليس لك نصيب ولا قرعه في هذا الامر . لان قلبك ليس مستقيما امام الله ..( اع 8:9 –21)


هذا كل ما جاء عن سيمون في الانجيل ... لكن تاريخ الكنسي والمعلمين الاوائل يذكرون سيمون علي انه رأس الهراطقة او " منشيء كل بدعه " بحسب تعبير يوسابيوس المؤرخ . وهكذا ذكره يوستينوس الشهيد في دفاعه الاول وذكره هيجيسبوس وايريناوس وغيرهم اول من امدنا بمعلومات عن هرطقه سيمون هو يوستينوس ، الذي كان هو الاخر سامريا . لذا فأن روايته عنه لها وزن كبير ....ز يقول يوستينوس " ان معظم السامرين والبعض من البلاد الاخري ، ومما قاله ايريناوس ان سيمون قال باله ذكر اعلي sublimissima vir tus وبفكر ennoia منبثق من هذا الاله الاعلي ، انثي موازية له . وهذه خلقت الملائكة الذين خلقوا العالم . وحبس هؤلاء الملائكة في جسم امراة ، واوقعوا بها حسدا انواعا من الاهانات . وان ennoia هذه هي هيلانه التي صارت زانية عاهرة في مدينة صور ، وهي ما عبر عنها بالخروف الضال ، وانه فداها وحررها ومما قاله سيمون ايضا بحسب رواية القديس ايريناوس . ان الاله الاعلي اظهر نفسة بصفه الابن يسوع بين اليهود ، وبصفه الاب بين السامريين في شخص سيمون ، وفي بلاد اخري بصفه الروح القدس .


الأبيونيةالأبيونية بدعة نادي بها فريق من المسيحيين المتهودين ...... وان كان هذا الاسم الذي عرفوا به لم يظهر الا في القرن الثاني الميلادي ، لكنهم كانوا موجودين بمبادئهم منذ عصر الرسل . فلا شك انهم خلفاء اولئك " الاخوة الكذبة " الذين اشار اليهم بولس في ( 2كو 11: 26 ، غلا 2: 4) والذين اقلقوا سلام الكنيسة وبخاصة في انطاكية وغلاطية ، وقاوموا قانونية رسوليته وتعقبوه من مدينة الي اخري ويذكر ابيفانيوس انهم ظهروا بعد خراب اورشليم سنة 70م ، بين جماعه اليهود المنتصرين الذين لجأوا الي بلاد قبيل خراب اورشليم ، وانتشرت افكارهم في فلسطين والاقطار المجاورة ,ومراكز الشتات ، بل وبلغت روما اقدم ما وصلنا عنهم ذكره يوستينوس الشهيد في حواره مع تريفو اليهودي حوالي منتصف القرن الثاني .... وان كان يوستينوس ذكر مميزاتهم دون اسمهم ( ابيونيين ) لكن ايريناوس واريجينوس ويوسابيوس المؤرخ يؤكدون ان تلك المميزات التي ذكرها يوستينوس ليست سوي مميزات الابيونيين . والاسم " ابيونيون " ومن العبرانية ابيونم وتعني فقراء او مساكين. وهذه التسمية اما اطلقها هم علي انفسهم لينالوا الطوبي التي اعطاها السيد المسيح للمساكين بالروح . واما اطلقها المسيحيون عليهم لانهم فقراء ومساكين في افكارهم عن افكارهم ومبادئهم ، فهم فريقان بين متزمت ومعتدل : فالفريق المتزمت يحفظون ناموس موسي حفظا حرفيا ، ويقدسون السبت ، ويعتبرون الختان لازما للخلاص . واوجبوا علي المسيحيين حفظ الناموس القديم كشرط لخلاصهم . ومن جهة ايمانهم في المسيح ، فقد انكروا لاهوته وازليته ، ورفضوا اعتباره اللوغوس او كلمة الله وحكمته . وانكروا ميلاده المعجزي من العذراء مريم ، واعتبروه انسانا عاديا كسائر البشر ولد حسب الطبيعة من يوسف ومريم ، وانه هو النبي الذي تنبا عنه موسي . ورفضوا الاعتقاد ان المسيح خضع للموت . كما اعتقدوا في مجيئه الثاني في مجد ملكي وانه يعد لنفسه ولاتباعه – ولا سيما من اتقياء اليهود – ملكا الفيا والفريق المعتدل يحفظون ناموس العهد القديم ، لكنهم لا يلزمون به الجميع ولا يتعصبون ضد من يرفضون حفظه . وكانوا يحتفلون بيوم الاحد ، ولا يعترضون علي الام المسيح وموته ، ولا ينكرون ولاده المسيح من العذراء بغير زواج وان كانوا يشتركون مع المتزمتين في انكار لاهوت المسيح وازليته وثمة فريق ثالث من الابيونيين كان للاسينيين والغنوسيين تأثيرت واضحة علي افكارهم واتجاهاتهم .....وفيما كتبه القديس بولس ( كو 2: 8- 23) اشارة الي الميول الغنوسية التي تتمثل في التأملات التصوفية والنسكات الصارمة



كيرينثوسكان يهوديا منتصرا ، تحكم بحكمه المصريين ، قدم لأورشليم في زمان الرسل . اقام فيها بعض الوقت ، ثم انتقل الي قيصريه فلسطين فإنطاكيه وعلم فيها ، وحط رحاله اخيرا في افسس التي كانت حقل خدمة يوحنا الرسول .


يخبرنا عنه ايريناوس انه كان معاصرا للقديس يوحنا الرسول .... ويخبرنا ابيفانيوس انه يهودي منتصر تمسك بالختان والسبت ، وانه – بعد قيامه المخلص – انتظر مملكه المسيا الارضية بصورة مادية خالصة . وقد علم كيرينثوس ان العالم لم يخلقه الله ، بل قوة خارجية عن الاله الاعلي . وان الها اخرا الذي هو اله اليهود ، اعطي الشرائع الناموس وان الرب يسوع ولد من يوسف ومريم – ولم يكن سوي إنسان بارز – حل عليه المسيح في صورة حمامة عند عمادة اتيا من الاله الاعلي ، حتي ما يعلن عن الاب غير المعروف ، واكد ذلك بالمعجزات التي صنعها . واخيرا فارق المسيح الانسان يسوع قبيل الالام والصلب ، وبعد ذلك تالم يسوع وقام ثانية ، والمسيح – والحال هذه – لم يكن في نظر كيرينثوس سوي نبي عظيم حلت عليه قوة الله .


ويربط ابيفانيوس بين كيرينثوس والابيونيين .


ويقول يوسابيوس المؤرخ – نقلا عن ديونيسيوس البابا الاسكندري – ان كيرينثوس كان
( منغمسا) في الملذات الجسدية وشهوانيا جدا بطبيعته . وتوهم ان الملكوت سوف ينحصر في تلك الامور التي احبها – أي في شهوة البطن والشهوة الجنسية .... وينسب له ايريناوس اوصافا اشد قبحا من ذلك ويكفي لاظهار ذلك ، ما رواه ايريناوس عن يوحنا الرسول ، من انه ( يوحنا ) دخل ذات مرة حماما ليستحم ، واذ علم بوجود كيرينثوس فيه قفز فزعا وخرج مسرعا لانه لم يطق البقاء معه تحت سقف واحد . ونصح مرافقية ان يقتدوا به قائلا لهم " لنهرب لئلا يسقط الحمام ، لان كيرينثوس عدو الحق موجود داخله " . والي هذا الفريق تنسب بعض المؤلفات المزورة كالاكليمنضيات التي نسبوها للقديس كليمنضس الروماني ، وهي مليئة بعبارات للرسولين بطرس ويعقوب اخي الرب .

النيقولاويوناشار اليهم سفر الرؤيا مرتين ....... في الاولي مدح الرب اسقف كنيسة افسس لانه يبغض
اعمال النيقولاويين وفي الثانية تحذير ووعيد لاسقف كنيسة برغامس لان من بين رعيته من هو متمسك بتعاليم
ويؤكد المؤرخون واللاهوتيون القدماء ان هؤلاء النيقولاويين هم اتباع نيقولاوس الدخيل الانطاكي احد الشمامسة السبعه ( اع 6: 5) ولقد ذهب البعض الي النيقولاويين هم عينهم اتباع بلعام ..
استنادا الي ان نيقولاوس باليونانية وبلعام بالعبرية هما بمعني واحد لكن واضح من سفر الرؤيا ان السيد المسيح يكلم اسقف برغامس عن هرطقتين متميزتين . ومعلوماتنا عن النيقولاويين ضئيله للغاية فقد قيل انهم اباحوا اكل ما ذبح الاوثان ، وشجعوا العبادة الوثنية كما اتهموا بانكارهم ان الله هو الذي خلق العالم ، وبنسبتهم عمل الخلق الي قوي اخري . كما نسب اليهم انهم نادوا بمبدأ الاختلاط بالنساء في غير ارتباط بالزوجية ، انهم كانوا يعيشون حياة خليعة مستهترة .


وثمة روايه شائعة عن نيقولاوس رواها لنا ابيفانيوس ، وهي ان نيقولاوس كان متزوجا بامرأة ذات جمال بارع ، وكان يهيم بحبها . فلما اصبح مسيحيا اراد ان يسلك حياة العزوبة لافضليتها .


فانفصل عن زوجته بعد ان اتفق معها ، ولكنهما ما لبثا ان عادا وعدلا عن حياة الفرقة واستأنفا حياتهم الزوجية .....فلما رأي نيقولاوس سلوكه منتقدا اراد ان يبرر نفسه ، فاخذ ينادي بتعاليم منافية للحق والطهارة ، واسلم ذاته لحياة الشر والخلاعه واقتدي به غيره وهكذا تكونت منهم طائفه ....ز وقد صدق علي هذه الرواية بعض اباء الكنيسة وعلمائها الاوائل من امثال ايريناوس وترتليانوس وايلاري اسقف بواتيية وايرونيموس وغريغوريوس اسقف نصيص

ميناندريذكر هيجسبوس الميناندريين ضمن الهراطقه ..... ويذكر يوستينوس ان ميناندر كان سامريا وتلميذا لسيمون الساحر ، وانه اتي الي انطاكية وخدع كثيرين بسحره ..... وفيما ذكره يوستينوس ، ان ميناندر مارس السحر باديء الامر وهي ظاهرة مميزة للغنوسيين السامريين . الغنوسية لم تكن لاهوتا خالصا ، ولكنها كانت ايضا نوعا من الشعوذة ويشير يوسابيوس الي ان ممارسات السحر هذه سلعدت الاوساط الوثنية علي ان تفقد ثقتها في المسيحيين .... وكان لهذا الامر اسوأ الاثر ، حتي ان لوسيان وكلسوس عدوي المسيحية اللدودين في القرن الثاني ، يدعون ان المسيح نفسه كان ساحرا وبناءا علي ما اورده يوستينوس ، فقد علم ميناندر ان من يتبعه لن يموت ...


وايريناوس يذكر ان ميناندر ادعي انه المخلص المرسل من فوق من عالم الايونات غير المرئية حتي ما يخلص البشر فبواسطة المعمودية التي يمنحها هو ، يصير الانسان اعلي من الملائكة المخلوقين .


ويمكن القول ان ميناندر هو الذي اعطي مباديء وتعاليم سيمون صفه الغنوسية ، وقد مارس نشاطه واتسع نفوذه في انطاكية بين سنتي 70-100م وبواسطته انتشرت الغنوسية في غربي سوريا التي اصبحت فيما بعد إحدي مراكزها الرئيسية.

اني اتعجب انكم تنتقلون هكذا سريعا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح الي انجيل اخر ( غلا 1: 7)







إرسال تعليق

0 تعليقات