مصر في عهد الخلفاء الراشدين







بقلم : فاروق عطية 

بعكس ما يردده مؤرخوا الغزاة عن فرحة المصريين بالغزو العربي تبقى الحقيقة ساطعة لمن يريد أن يراها، فالغرو العربي لمصر لم يكن لنشر الإسلام فيها ولم يكن لرقة قلب ابن العاص لسماعه أنين المصريين وشكواهم من حكم الرومان فأراد لهم الخلاص. الحقيقة كما نعرفها أن الغزو كان للاستيلاء على ثروات البلاد واستعباد أهلها. عندما بلغ ابن الخطّاب خبر دخول جيوش عمرو بن العاص لمصر كان ما يزال جالسا بالجامع بعد أن إقتات على خبز وزيت فلما بلغه النبأ أنب الرسول الذي جاءه مبشرا كونه انتظر حتى ينتهي من صلاته، فدخول مصر كان لدى عُمر بن الخطّاب أهم من أي شيء حتى لو كانت الصلاة. والدليل القاطع على حاجة الغزاة العرب الحقيقية لدخول مصر هو أن أول أعمال عمرو بن العاص فيها كانت إعادة فتح قناة سيزوستريس (قناة تروجان) كي ينقل خيرات مصر لجزيرة القحط عن طريق البحر الأحمر بدلا من طريق الصحراء بالجمال، والتي ينتظر الخليفة فيها كل ما يأتيه من البقرة الحلوب مصر. وعندما دخل ابن العاص الإسكندرية أرسل للخليفة عُمر بن الخطّاب رسالة يقول فيها أنه وجد بها 40000 بيت بها 40000 حمام وأن أعمدة المدينة من الرخام حتى ظن أفراد الجيش العربي أنها إرم ذات العماد التي تحدث عنها القرآن وأنه قد بذل جهدا كي يقنعهم بأنها ليست إرم فمنهم من اقتنع ومنهم من لم يقتنع. كما أن المغالطات المستمرة عن كون مصر لم تبادر بالثورة ضد الغزو العربي فهو قول تكذبه كل حقائق التاريخ فالمصريون ثاروا 120 ثورة ونجحوا في أحيان كثيرة في طرد العرب من أجزاء كثيرة من البلاد مما كان يستدعي معه الخلفاء لإرسال جيوشا جديدة لتعاون الجيش العربي في مصر على قمع الثورات الاحتفاظ بها. وسوف نورد ذلك في مقالات قادمة.

بعد دخول العرب للإسكندرية في 22 ديسمبر عام 640 م. وتدمير أسوار المدينة، حدث أن تعرف عمرو بن العاص على عالم لاهوت مسيحي طاعن في السن يدعي يوحنا فيلوبونوس (تلميذ الفيلسوف السكندري أمونيوس وهو معروف لدي العرب باسم يحيى النحوي، وقد ساهمت كتاباته إلى حد كبير في نقل الثقافة الإغريقية للعرب). طلب يوحنا من عمرو الحفاظ على الكتب الموجودة في مكتبة الإسكندرية لأنه حسب قول يوحنا، "بخلاف مخازن وقصور وحدائق المدينة، فإن تلك الكتب ليست ذات فائدة لعمرو أو لرجاله". حينئذ سأل عمرو عن أصل تلك الكتب وفائدتها، فسرد له يوحنا قصة مكتبة الإسكندرية منذ تأسيسها على يد بطليموس الثاني. كتب بن العاص خطابا لابن الخطّاب يستشيره في أمر المكتبة والكتب. وبعد عدة أيام أتى رد عُمر بن الخطّاب وفيه: "...واما الكتب التي ذكرتها فان كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى، وان كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة بنا إليها". وهكذا أمر عمرو بن العاص بتوزيع الكتب على حمامات الإسكندرية لاستخدامها في إيقاد النيران التي تُبقي على دفء الحمامات. ويذكر المؤرخ المسلم القفطي في كتابه تراجم الحكماء أن إحراق تلك الكتب قد استمر لما يقارب الستة أشهر، وأن الكتب الوحيدة التي نجت من الحريق كانت بعض كتب الفيلسوف الإغريقي ارسطو وبعض كتابات اقليدس الرياضي وبطليموس الجغرافي.
أعطت معاهدة عمرو بن العاص أهل الذمة، وهم مسيحي ويهود مصر، الذين ارتضوا بدفع الجزية "الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم"، بحسب ما نقل المؤرخ البريطاني ألفريد باتلر عن الطبري في كتاب "الغزو العربي لمصر". لكن المعاهدة لم تحدد أي قوانين خاصة في ما يتعلق ببناء دور العبادة. والحقيقة أن مصر لم تكن سعيدة تحت الحكم العربي، وأن أقباط مصر عانوا أشد ما تكون المعاناة تحت هذا الحكم البدوي الجاهل، والغزاة العرب أنفسهم لم ينظروا لمصر إلا على أنها غنيمة يغتنمونها من أصغر جندي إلي الخليفة القابع في جزيرة الرمال متلهفا علي وصول خيرات مصر. وحين نضب المعين واستبد الفقر بأهل مصر تحت تأثير الجزية والضرائب الباهظة وجد الأقباط ألا خلاص إلا بدخول الإسلام حتى ترفع عنهم الجزية، وهذا ما اضطر عمرو بن العاص أن يطلب من الخليفة عُمر بن الخطّاب أن يجيز له فرض الجزية على من أسلم من مسيحي مصر لأن دخول القبط إلي الإسلام قد أضر بالجزية.

فرض عُمر بن الخطّاب على غير المسلمين، ممن يعيشون بدار الإسلام، أن يرتدوا ألواناً بعينها وعمماً وأوشحة مختلفة عما يرتدى المسلمون، بحسب الباحث الأمريكي كيرت ڤيرتموللر المتخصص في تاريخ الشرق الأوسط فى كتابه "الهوية القبطية وسياسات الأيوبيين في مصر". واشتهر أقباط مصر بارتداء اللونين الأسود و الأزرق فقط في حقب تاريخية لاحقة. كما حظر بن الخطاب على غير المسلمين ركوب الخيول والتبشير وممارسة عباداتهم بالطرق العامة، وحظر استخدام أجراس الكنائس. لكن محظوراته هذه لم تطبق حرفياً، فتُرك الأمر طبقاً للأهواء الشخصية لكل وال، بينما حث الخلفاء الراشدين ولاة مصر على جمع أكبر قدر من الجزية.
وبعد أن استتب الأمر ورضخ المصريون بدأت سياسة الاستعمار العربي الاستيطاني للمناطق المحتلة. هاجرت قبائل عربية بأكملها من شبه الجزيرة العربية إلى الأراضي المحتلة بحثا عن أراضي خصبة، وصادر العرب المستعمرون أفضل الأراضي الخصبة من الفلاحين المصريين، الذين تحولوا إلى خداما وزرّاعا للمهاجرين العرب الواصلين حديثا. سلب المهاجرين العرب قرى بكاملها وسيطروا عليها، بعد أن رحّلوا سكانها إلى مناطق أخري مهجورة. ومع اختلاط الأقلية العربية المميزة بالمصريين بالمصاهرة والتزاوج أو سبي واغتصاب النساء أصبح جميع من في مصر مسيحيين ومسلمين أقباطا أي مصريين.

استمر عمرو بن العاص واليا علي مصر حتي سنة 645م حيث خلعه الخليفة عثمان بن عفّان وعين بدلا منه عبد الله بن سعد بن أبى سرح الذي فرض علي المصريين ضريبة رأس إضافة للخراج، وحقق بذلك دخلا كبيرا للخلافة (14 مليون دينار، بريادة مليوني دينار عما كان يجبيه عمرو) مما أسعد عثمان بن عفّان وقال لعمرو بن العاص: "درّت اللقحه بعدك يا ابا عبد الله، بأكثر من درّها الاول"، فرد عليه عمرو: "نعم، ولكن أجاعت أولادها" بمعني أنها أدت لفقر ومجاعة المصريين المنهوبين. استمر ابن أبي سرح واليا علي مصر حوالي اثني عشر عاما. وبعد أن قتل في الشام عُين بعده قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الإنصاري، الذي مات بعد سنة. وتولي مكانه عبد الله بن مالك بن الحارث بن الأشتر النخعي في عهد الخليفة علي بن أبي طالب، ومات عبد الله بن مالك بعد فترة قصيرة من ولايته وقيل أنه مات مسموما عن طريق أحد العبيد. عين بعده محمد بن ابي بكر الصدّيق الذي قامت في وقته ثورة تطالب بالثأر لمقتل عثنان بن عفان واتهم محمد بن أبي بكر أنه كان ضمن من قتلوا عثمان بن عفّان.

انتهى عهد الخليفه عثمان بن عفّان الخليفه الراشدى الثالث بقتله و قام صراع مابين الخليفه الجديد على بن ابى طالب ومناوئين له. وقف معاوية بن أبي سفيان علي الحياد لفترة طويلة في الصراع الدائر بين علي بن أبي طالب وخصومه، لكنه طالب بضرورة محاكمة قتلة خليفة المسلمين عثمان بن عفّان، كما رفض التنازل عن ولايته للشام للوالي الجديد الذي عينة علي بن أبي طالب. استطاع معاوية استمالة عمرو بن العاص لصفه. في أواخر عام 657م كانت معركة صفّين علي نهر الفرات بين معاوية وعلي، انتصر فيها معاوية. بايع أهل الشام معاوية خليفة للمسلمين فكانت فرصة مواتية لضم مصر لملكه، فأرسل جيشا لمصر بقيادة عمرو بن العاص عام 659م. دخل الجيش الغازي بقيادة عمرو بن العاص مصر واصطدم بجيش محمد بن أبى بكر فى يوليه 659م فى منطقه كان اسمها المسناء (مكانها الآن بين عين شمس وأم دنين). انتصر ابن العاص وقُبض علي محمد بن أبي بكر الذي قال: "أكرمونى لأجل أبى بكر"، فرد عليه معاوية بن خديج: "لا أكرمنى الله إن أكرمتك". وضرب عنقه بالسيف ووضع جثته في بطن حمار وأحرقوه وأرسلوا ملابسه بدمه للمدينة ووضعوها في بيت عثمان بن عفّان للتشفي فيه. وذهبوا لأمه أسماء بنت عبس وقالوا لها: لقد قتل ابنك في مصر وأحرق في بطن حمار. فعضّت علي شفتيها حتي نزفت حزنا علي ابنها. كما بعثت أخت معاوية بن خديج لعائشة بنت أبي بكر خروفا مشويا وقالت لها: هكذا شوى أخوك محمد بمصر. بقتل محمد بن أبى بكر الصديق انتهى عصر حكم الخلفاء الراشدين فى مصر وصارت مصر ولايه أمويه و بقى عمرو بن العاص والى على مصر للمره التانيه وصار الخراج والأموال التي تجمع من كد و شقاء المصريين ترسل إلي دمشق عاصمة الأمويين.

الفتوحات العربية التى نسبوها للدين زورا وظلما وبُهتانا رفعت صحابة الفتوحات وخلفاءها (الراشدين) الى موقع التأليه، مع أنها تناقض الدين أي دين فى تشريعاته وقيمه العليا (العدل والحرية والسلام)، وأنها جعلت المسلمين حتى الآن ينسون حُرمة الأشهر الحُرُم، وأقامت لهم أديانا أرضية يتقاتلون تحت لواءها، خلال الأشهر الحُرُم وغيرها، وهم يظنون أنهم يحسنون صُنعا وينصرون الله، ونسى الجميع الشخصية الحقيقية لنبي الإسلام الذى بعثه الله كما يقول القرآن رحمة للعالمين لا لإرهاب وقتل العالمين. كان الخلفاء الراشدون جميعا بلا استثناء ينسبون غزواتهم لنشر الإسلام، رغم مخالفة ذلك لما جاء في القرآن (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (93) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94)(النساء). بهذا تكون الفتوحات وهي في الحقيقة غزوات عدوانية علي بلدان مسالمة لم تبادر بعدوان، وهي ليست دفاعا عن الدين أو الأرض أو العرض بل هي جريمة كاملة، يستحق بها القاتل المتعمد غضب الله عليه والخلود فى جهنم وبئس المصير، وأن يلعنه ربّ العزة وقد أعدّ له عذابا أليما. هذا جزاء قتل إنسان مُسالم واحد، فكيف بفتوحات الصحابة وضحاياها من الشعوب وهم بمئات الألوف من الجنود الأبطال المدافعين عن أوطانهم ومن المدنيين من الرجال والنساء والأطفال؟ وكيف بالسبى والسلب والنهب والاستعباد وهتك الأعراض؟، وكيف بالاحتلال وفرض الجزية والخراج ونهب ومصّ ثروات ودماء الشعوب؟ هذا ظلم لا يرضاه الله ولم يأمر به. الأفظع منه أن ترتكب هذه المظالم الهائلة وتنسب للدين، ولرب العزة وشريعته التى تشجب الظلم وتؤسس العدل والقسط والحرية وكرامة الانسان. هنا يكون الظُّلم الأكبر، وهو أن صحابة الفتوحات ظلموا أيضا رب العزة، وحكموا على أنفسهم أن يكونوا من (أكفر) خلق الله.

كان علي كل مسلم يعيش الآن أن يحتكم لضميره ودينه ويختار بين مناصرة الله وأحكامه السامية، أو يناصر الصحابة الذين خالفوا أحكام الله ومنهج رسوله، والذين هم أظلم الناس للناس ورب الناس، الذين ارتضوا نهب ثروات شعوب مسالمة لم تبادئهم عدوانا وقبلوا أن يعيشوا ويقتاتوا سحتا، تاركين الشعوب المغتصبة بلادهم يتضورون جوعا وفقرا، بل ارتضوا أن تسبي نساءهم وتغتصب بناتهم باسم الدين والديان. المفروض تاريخيا ومنطقيا أن أي شعب قد تجرع الاحتلال والظلم والاغتصاب والاسترقاق في فترة من تاريخه من قوة أجنبية أن يعادي هذه القوة الغاشمة وقادتها الذين أذلّوا أجدادهم ونهبوا ثرواتهم. كان من المنتظر من المصريين وأهل الشام والعراق وشمال أفريقيا أن يتوارثوا كراهية مستعمريهم مهما لُقّبوا بالصحابة أو خلفاء راشدين وهم بالنسبة لهم معتدين، وأن يعوا تاريخ بلادهم وقهر أجدادهم وما لاقوه من غبن وإذلال، لكن العكس هو ما نراه الآن. هم يقدسون صحابة الجور والطغيان ويمجدونهم، ولم ينجو من هذا البلاء إلا من ظل علي دين أجداده كأقباط مصر ومسيحيى الشام والعراق.

للأسف لم يقرأ المصريون عن تاريخ أجدادهم الأقباط فى عصر الخلفاء الراشدين إلّا من خلال ما كتبه المؤرخون السنيون الذين يقدسون الصحابة. ومع هذا فإن بين سطور ما دونوه نلحظ معالم ظلم هائل تعرض له أجدادنا. ظلم هائل يأباه الله ودينه. ولكن تقديس الخلفاء الراشدين فوق كل إعتبار، حتى فوق مقام رب العزة ودينه القائم على العدل والحرية والسلام. حتي لو قرأوا التاريخ بما كتبه المصريون الأقباط ضحايا الغزو والاحتلال العربى، ودونوا فيه معاناتهم من الغزو والقهر والاسترقاق والسبى والسلب والنهب والجزية والخراج.. لو قرأ المصريون المسلمون هذا ـ إفتراضا ـ فلن يتغير الموقف، سيظلون فى تقديس الخلفاء الراشدين وفى تمجيد الفتوحات. والسبب أنهم (سنيون مغيبون) ترجع جذور دينهم الذي شبّوا عليه الى تلك الفتوحات.

إرسال تعليق

0 تعليقات