باكورة الآباء البطاركة







بقلم: القمص ميخائيل جريس

القديس مرقس الرسول :
هو اول واشهر الشهداء في مصر وهو يوحنا الملقب مرقس وينحدر اصله من اليهود الذين كانوا قاطنين بالخمس المدن الغربية المسماه " بنتابوليس " التي كانت تقع في منطقه برقه بشمال افريقيا وقد أنشأ اليونان هذه المدن فيما بين القرنين السابع والخامس الميلادي علي حدود مصر الشمالية الغربية . وكان ميلاد القديس مرقس في مدينة القيروان التي تقع في اقليم ليبيا بهذه المنطقة . وكان مرقس منذ ولادته ينعم بما كان لاسرته من ثروة كبيرة واراضي زراعية شاسعة ولذلك تمكن ابواه من ان يهيئا له افضل سبل التعليم والثقافة . فاتقن اللغتين اليونانية واللاتينية ، كما اتقن اللغة العبرية وتعمق في دراسة كتب التوراة والناموس اليهودي . غير ان بعض القبائل المتبربرة من البدو هجمت علي اسرة مرقس في القيروان وهبتها – وكان ذلك في عهد الامبراطور الروماني اغسطس قيصر – فاضطرت هذه الكريمة الي الهجرة ، ومن ثم نزحت الي فلسطين موطن اجدادها الاولين . وكانت قد استقرت هناك حين بدأ السيد المسيح ينادي ببشارته ، وبذلك اتيح للقديس مرقس في حداثته ان يري السيد المسيح ويؤمن به ويصبح من تلاميذه . وكذلك تبعته ام مرقس واستضافته في بيتها . وصارت من النسوة اللاتي يخدمنه ، كما كان بيتها هو اول كنيسة مسيحية في العالم ، ولذلك كانت لهذه السيدة مكانه عظيمة بين المسيحيين الاوائل . وفي بيتها تناول السيد المسيح عشاءه الاخير مع تلاميذه عشية صلبه . وفيه كان يجتمع التلاميذ بعد قيامه السيد المسيح ، حيث دخل عليهم واظهر لهم نفسه . وفي هذا البيت حل الروح القدس عليهم . وحين خرج بطرس من السجن الذي وضعه فيه هيرودس مزمعا ان يقتله بسبب تبشيره بالمسيحية. ذهب بطرس مباشرة الي ذلك البيت . والراجح ان مرقس هو الشاب الذي تبع ليله تسليمة ، إذ يقول في الانجيل الذي يحمل اسمه :" وكان يتبعه شاب يلف جسده العاري بإزار فأمسكوه ، فترك الازاز وهرب عاريا ( مر 14 : 51 ، 52 ) وقد بدأ القديس مرقس كرازته مع بطرس الرسول في منطقة اليهودية ، وفي جبل لبنان ، وفي بيت عنيا ، وفي مناطق من سوريا ولا سيما إ نطاكية حتي سنه 45 ميلادية – ثم كرز مع القديس بولس وبرنابا في رحلتهما الاولي في قبرص وفي باخوس ، حتي إذا وصلوا الي " برجه بمفيلية " تركهما هناك وعاد الي اورشليم سنه 51 ميلادية . ثم ظهر في انطاكية مرة اخري بعد مجمع اورشليم واشترك مع القديسين . وبولس في تاسيس كنيسة روما . وبعد ذلك قصد القديس مرقس وحده الي مسقط رأسه في شمال افريقيا حيث بشر الخمس مدن الغربية وهي القيروان ، وبرينيكي وبرقه وارسينوي وابولونيا .


وكانت هذه المدن في ذلك الحين تحت حكم الرومان ، وكان شعبها خليطا من اليونايينوالليبين والرومان واليهود وكانت ذات عبادات وثنية وثقافة يونانية . وقد وصل القديس مرقس الي هذه البلاد في نحو سنه 58 ميلادية . وهناك واظب علي التبشير ، وكانت تجري علي يديه كثير من المعجزات ، مما جذب اليه كثيرين من المؤمنين فيقول ساويرس بن المقفع اسقف الاشمونيين في كتابه " تاريخ البطاركة " فلما عاد القديس مرقس من روما قصد الي الخمس مدن اولاً ، وبشر في جميع انحاءها بكلام الله ، واظهر عجائب كثيرة ، حتي انه ابرأ المرضي وطهر البرص واخرج الشياطين ، بنعمة الله الحاله فيه فأمن بالسيد المسيح كثيرون وكسروا اصنامهم التي كانوا يعبدونها وعمدهم باسم الاب والابن والروح القدس . وبعد ان قضي مرقس الرسول يبشر في الخمس المدن الغربية نحو تسع سنوات واتجه بعد ذلك الي الاسكندرية سنه 61 ميلادي وكانت هي عاصمة مصر في ذلك الحين ، كما كانت العاصمة الثقافية للعالم كله – وكانت مدرسة الاسكندرية الفلسفية الشهيرة هي مركز العلم والفلسفة في كل الامبراطورية الرومانية . وقد كانت تزدحم بعدد عظيم من كبار العلماء كما كانت تزدحم مكتبتها الشهيرة بمئات الالاف من الكتب النادرة والمخطوطات المتعمقه في كل العلوم ، وكانت تلك المدينة الضخمة حينذاك تضم نحو مليون شخص من المصريين والرومان واليونان واليهود والفرس والاحباش وغير ذلك من الاجناس التي تعتنق عددا لا يحصي من ديانات الامم مختلفه . وقد وقف مرقس وحيداً امام كل هذه الديانات والفلسفات يتأهب لان يصارعها جميعا وان ينتصر عليها كلها


وقد كان قدوم مرقس الرسول الي الاسكندرية في الغالب عن طريق الواحات ، ثم الصعيد ثم تقدم شمالاً نحو بابليون ويقال انه في هذه الفترة كتب إنجيله بالغة اليونانية ثم غادر بابليون الي الاسكندرية ، وهو لا يفتأ يجول مبشرا في الطرقات – وكان حذاؤه قد تمزق فمال علي إسكافي في المدينة يدعي انيانيوس ليصلحه . وفيما الاسكافي يفعل ذلك دخل المخراز في يده فأدماها ، فصرخ قائلاً " ايس ثيئوس" أي " يا الله الواحد " فانتهز القديس مرقس هذه الفرصة واخذ يده فشفاها ، ثم راح يبشر ه بذلك الاله الواحد الذي هتف باسمه وهو لا يعرفه ، فامن الاسكافي بكلامه ودعاه الي بيته ، وجمع له اقاربه واصحابه فبشرهم بالمسيح وعمدهم فكانوا هم باكورة المؤمنين في مصر كلها .


فلما رأي الوثنيين بوادر نجاح الرسول في بشارته حنقوا عليه وراحوا يتربصون به الدوائر ليفتكوا به ولكنه واصل اداء رسالته غير عابيء بما يدبرون ، فأقام انيانوس اسقفا ، ورسم معه قسوسا وشمامسة ، وشيد اول كنيسة بالاسكندرية في الجهة الشرقية منها عرفت بأسم " بوكاليا " وبذلك اغزداد عدد المؤمنين زيادة كبري في وقت وجيز . وفي ذلك يقول المؤرخ السكندري يوسابيوس الشهير " كان جمهور المؤمنين الذين اجتمعوا هناك في البداية من الكثرة حتي ان الفيلسوف اليهودي فيلون وجده امرا جديرا بالاهتمام ان يصف جهادهم واجتماعاتهم وتعزياتهم وكل طرق معيشتهم ويقول الاب شينو في كتابه " قديسو مصر " إن الحياة التي تدعوا الي الاعجاب في مصر بعد الايمان جعلت الفيلسوف اليهودي الشهير فيلون يؤكد فيما بعد ان الاسكندرية اعادت الينا ذكر الايام الاولي التي كانت لكنيسة اورشليم .


وقد اسس القديس مرقس بالاسكندرية مدرسة لاهوتية لتتصدي لتعاليم المدرسة الوثنية التي كانت هي الخلفية الطبيعية لمدرسة اثينا وكان يقوم بالتدريس فيها اكبر الفلاسفة الوثنيين في ذلك الحين .


وقد اقام مرقس الرسول القديس يسطس اول رئيس للمدرسة اللاهوتية ، هو الذي صار فيما بعد سادس اسقف للاسكندرية .


كما ان القديس مرقس وضع القداس الالهي للصلوات الكنسية وهو المعروف بالقداس المرقسي او الكيرلس نظرا لان البابا كيرلس الاول هو الذي دونه بعد ان كان رجال الكنيسة يتسلمونه بعضهم من بعض شفهيا . فلما راي الوثنيين بوادر نجاح الرسول في بشارته اشتد حنقهم عليه وراحو يتربصون به الوائر ليقتلوه . ولكنه واصل اداء رسالته غير عابيء بما يدبرون ثم اعتزم ان يترك مصر بعض الوقت ويعود ليفتقد اولاده من المؤمنين في الخمس مدن الغربية ثم مضي منها الي افسس حيث تقابل مع القديس تيموثاوس ، ثم اتجه الي روما تلبية لدعوة القديس بولس الرسول ، وبقي معه هناك حتي استشهاده في سنه 67م ، وبعد ذلك عاد الي مصر واستأنف فيها عمل الكرازة وقد كان عدد المؤمنين لا يفتأ يتزايد تزايدا عظيما . فلما كثر عدد المؤمنين وتوطدت دعائم الكنيسة التي اسسها تغلغل الحقد في قلوب الوثنيين عليه واضمروا الغدر به ، حتي اذا كان عيد القيامة المجي\ في 26 ابريل سنه 68م الذي يوافق 30 برموده بالتقويم المصري القديم وكان المسيحيون يحتفلون بهذا العيد في كنيسة بوكاليا وقد تصادف ان كان ذلك اليوم هو نفسه يوم الاحتفال بعيد الاله الوثني ، وقد تدفقت جموع الوثنيين للاحتفال بهذا العيد ، فلما علموا ان القديس مرقس يحتفل بعيد القيامة في الكنيسة مع شعبه حتي اندفعوا الي الكنيسة في جموع ساخطة وهجموا علي القديس ووضعوا حبلا في عنقه والقوه علي الارض وراحو يسحلونه في طرقات المدينة وساحاتها وهو لا يفتأ يرتطم بالاحجار والصخور حتي تناثر لحمه ونزف دمه واستمروا يفعلونه به هكذا طوال النهار ، حتي اذا خيم الليل القوا به في السجن . وفي ظلام ذلك السجن ظهر له السيد المسيح في نور عظيم وشجعه وقواه وهو يخاطبه قائلا ( يا شهيدي الامين ) واعدا اياه بفردوس النعيم ، ولذلك اصبح لقب القديس مرقس المعروف به في طقوس الكنيسة وصلواتها هو ( ثيورديموس ) أي ( ناظر الاله ) ثم في فجر اليوم التالي عاد الوثنيين الي القديس مرة اخري ، ورابطوا عنقه ايضا بحبل غليظ ، ثم راحوا يسحلونه كذلك في كل طرقات الاسكندرية حتي اسلم الروح . علي ان موت القديس لم يهديء من ثائرة الوثنيين وحقدهم فاعتزموا حرق جثته بعد موته إمعانا في التنكيل به والتشفي منه وبالفعل جمعوا كومه عظيمة من الحطب واعدوا نارا للمحرقة ، غير انه حدث في اللحظة التي اوشكوا فيها ان يلقوا الجسد في النار ان هبت عاصفة مصحوبه بمطر غزير فانطفأت النار وتفرق الشعب وعندئذ اسرع جماعة من المؤمنين فأخذوا الجسد وحملوه الي كنيسة ( بوكاليا ) ووضعوه في تابوت ثم صلي عليه خليفته القديس إنيانوس مع الاكليروس والشعب ودفنوه في قبر نحتوه في الجانب الشرقي من الكنيسة اطلقوا عليها اسم كنيسة القديس مرقس ، وتحتفل الكنيسة القبطية في كل الانحاء بذكري استشهاد القديس يوم 30 برموده من كل عام وقد كان استشهاده في الثامنه والخمسون من عمره .


وقد ظل جسد القديس مرقس في تابوته حتي سنه 644م في كنيسة بوكاليا بالاسكندرية ، وكانت تطل علي الميناء الشرقي للمدينة . فلما وقع الانشقاق العقيدي في مجمع خلقدونية سنه 450م تعرضت الكنيسة القبطية التي تؤمن بالطبيعة الواحدة والمشيئة الواحدة للسيد المسيح لا ضطهاد عنيف من اصحاب بدعه الطبيعتين والمشيئتين الذين اطلق عليهم لقب الملكيين لانهم اعتنقوا مذهب الملك الروماني واستولي اولئك الملكيون علي الكنائس القبطية ومنها كنيسة القديس مرقس بالاسكندرية وبداخلها جسد القديس وظلت تحت سيطرتهم حتي سنه 644م . وفي هذه السنه التي تم فيها الفتح العربي لمصر بقياده عمرو بن العاص ، حاول احد البحارة سرقت راس القديس بعد ان فصلها عن الجسد وخبأها في سفينه معتقدا انها تخص رجلا عظيما ولكن حين تحرك اسطول عمرو بن العاص وخرج كله من الميناء حدث ان السفينة التي تحمل راس القديس ثبتت في مكانها ولم تشأ ان تتحرك علي الرغم من كل ما بذله البحارة من المحاولات ، فادركوا ان في الامر سرا ومن ثم اصدر عمرو بن العاص امره بتفتيش السفينة . فلما اخرجوا الرأس تحركت السفينة علي الفور . فإستحضر عمرو بحار السفينة واستجوبه فلما علم انه سرق هذا الرأس من الكنيسة إستدعي القديس بطرس بطريرك الاقباط وسلمه الرأس كما وهبه عشرة الاف دينار لبناء الكنيسة لصاحب هذا الرأس الذي له كل هذه الكرامة . وبالفعل تم بناء الكنيسة بالاسكندرية وهي المعروفة بالمعلقة بالقرب من المسله الاثرية ، وقد إستقر الرأس فيها حتي القرن السادس ، بينما كان جسد القديس مرقس راقدا في كنيسة بوكاليا التي كانت لا تزال تحت سلطان الرومان الملكيين وقد ظل الجسد في هذه الكنيسة حتي حدث في نحو عام 815 م او بعدها بسنوات قليلة ان احتال بعض البحارة من اهل البندقية وسرقوه ونقلوه الي مدينتهم حيث ظل بها واهتم حاكم البندقية جستنيان ببناء هيكل فخم جميل ووضع فيه الجسد ، غير ان هذا الهيكل احترق سنه 977م فجدد عمارته الدوق بطرس ارسيلوا ، ثم اقيمت للجسد كنيسة تعتبر من اضخم وافخم كنائس العالم وهي كنيسة القديس مرقس بالبندقية وقد بدأ في بناءها سنه 1052 م ولم يتم بناؤها الا في القرن الثامن عشر للميلاد وقد تباري في بنائها وزخرفتها اعظم واقدر مهندسي وفناني العالم فخرجت تحفه بديعة رائعة . أما رأس القديس مرقس فقد ذكرنا ان البابا بنيامين الثامن والثلاثين بدأ في بناء كنيسة لتوضع فيها الرأس . غير ان الرومان بدأوا يحاولون الاستيلاء علي الرأس ايضا . حتي اخذها الاقباط المؤمنين وخبأها في دير القديس مكاريوس ببريه شيهيت حوالي سنه 1013م . ثم في خلال القرن الحادي عشر وحتي القرن الرابع عشر تتابع نقل رأس القديس الي كثير من بيوت اغنياء الاقباط لاخفائها عن الولاه العرب الذين كانوا لا يفتأون يفتشون عنها ليقسروا علي دفع مبالغ ضخمة لاستعادتها فكانوا لا يعلمون ان رأس القديس موجوده بإحد بيوت سراة الاقباط حتي يقبضوا عليه ويضربوه ويهينوه ويفرضوا عليه مبلغاً فاحشاً من المال فإذا اضطر إلى دفعه تركوا الرأس له و إذا رفض أو عجز نكلوا به و أوثقوه و القوة فى السجن و قد تكرر هذا مراراً كثيرة ، و حتى تم أخيراً بناء مدفن خاص لرأس القديس فى الكنيسة المرقسية بالإسكندرية فى القرن الثامن عشر و وضع فيه داخل صندوق من الرخام . و ذلك منذ ايام بطرس السادس .


و قد ظل جسد القديس مرقس راقداً فى كاتدرائيته العظمى فى البندقية منذ سنة 828م حتى طلب البابا كيرلس السادس بطريرك الأقباط الأرثوذكس من بابا روما إعادة الجسد إلى موطنة الأصلى فى مصر و كان ذلك بمناسبة الاحتفال بمرور تسعة قرناً على استشهاد القديس ، و كذلك بمناسبة تأسيس الكاتدرائية المرقسية الكبرى بأرض الأنبا رويس بالعباسية بالقاهرة لتكون مقراً للجسد المقدس و فى يوم 24 يونيو سنة 1968 ميلادية عاد الوفد الذى أوفده البابا كيرلس السادس لإعادة الجثمان إلى مصر ، و معه أعضاء البعثة التى أوفدها بابا روما ما يحملون الرفات المقدس . و كانت فى هذه الأثناء أجراس الكنائس تدق فى القاهرة كلها ابتهاجاً بهذه المناسبة الرائعة .


ثم فى الساعة السادسة من صباح يوم الأربعاء 26يونيه سنة 1968م بدأ الاحتفال الدينى الطقسى بإفتتاح الكاتدرائية المرقسية الجديده بدير الأنبا رويس بالعباسية بالقاهرة ، فجاء قداسة البابا كيرلس السادس بسيارته يحمل صندوق رفات القديس مرقس الرسول من الكاتدرائية المرقسية بالازبكية التى ظل موضوعاً بها منذ ثلاثة ايام و تقدم الموكب يحف به المطارنة و الأساقفه و الكهنة و الشمامسة إلى أن صعد البابا إلى الكاتدرائية الجديدة ، و وضع الصندوق بكل إجلال على مائدة خاصة فى شرقية الهيكل ، و بدأت مراسم القداس الحبرى الحافل الذى خدمه قداسة البابا كيرلس السادس و اشترك معه مار أغناطيوس يعقوب الثالث بطريرك إنطاكية و سائر المشرق للسريان الأرثوذكس و عدد من المطارنة الأقباط و الأثيوبيين و السريان و الهنود الأرمن الأرثوذكس ، و حضرة الإمبراطور هيلاسلاسى الأول إمبراطور أثيوبيا و الكاردينال دوفال رئيس البعثة البابوية الرومانية و كثير من رؤساء الأديان و المطارنة و الأساقفة و رجال الدين من مختلف بلاد العالم و نحو عشرة آلاف من الشعب و ما أن انتهى القداس حتى نزل البابا كيرلس يحمل الرفات و معه الإمبراطور و بطريرك السريان الأرثوذكس و رؤساء الكنائس فى موكب كبير و اتجه إلى مزار القديس مرقس الذى كان قد سبق إعداده تحت المذبحالرئيسى للكاتدرائية و أوضع الصندوق المزخرف فى القبر الرخامى و غطس بلوحة رخامية كبيرة وسط الترتيل و الأناشيد . و قد اشتهر القديس مرقس الذى أسس كنيسة الإسكندرية بلقب ظل يطلق علية على مدى التاريخ القبطى كله و هذا اللقب هو " كاروز الديار المصرية و رئيس بطاركة كرسى اٌسكندرية العظمى " .


و قد اشتهر أسم القديس مرقس على مدى التاريخ المسيحى و القبطى فأصبح يطلق بعده على كثير من البطاركة و الأساقفه و الكهنة و الرهبان و الكنائس باعتباره هو كاروز الديار المصرية و مؤسسها .


أ- فمن بطاركة الأقباط الأرثوذكس أطلق اسم هذا القديس على سبعة منهم و هم مرقس الثانى البابا 49 و مرقس الثالث البابا 73 و مرقس الرابع البابا 84 و مرقس الخامس البابا 98 و مرقس السادس البابا 101 و مرقس السابع 106 و مرقس الثامن 108 .


ب- أما الأساقفة الذين أطلق عليهم القديس مرقس فكانوا كثيرين جداً ، لم يخل منهم عهد أو مكان و من أمثلة ذلك انه عندما قام البابا بنيامين و هو الثانى و الثمانون يضع الميرون شاركه فى ذلك إثنا عشر أسقفاً كان منهم أربعة باسم مرقس . و فى عهد البابا ديمتريوس الثانى كان وكيل الكرازة المرقسية و هو الأنبا مرقس مطران البحيرة . كما كان يوجد بهذا الأسم الأنبا مرقس مطران ابو تيج . و يوجد حالياً نيافة الأنبا مرقس الأسقف الارثوذكسى لمرسيليا و طولون بفرنسا . كما يوجد بهذا الاسم فى المجمع المقدس فى الوقت الحالى الأنبا انطونيوس مرقس الأسقف العام لشئون أفريقيا و الأنبا مرقس أسقف شبرا الخيمة .


ج- أما الكهنة و الرهبان و النساك الذين يحملون اسم القديس مرقس فعددهم عظيم جداً يصعب حصره . و قد بنيت كنائس كثيرة فى أنحاء مصر باسم القديس مرقس فأندثر بعضها و بقيت آثار البعض الآخر .

من أقاصى الأرض خرج منطقهم و إلى أقصى المسكونه بلغت أقوالهم

+ البابا إنيانوس ( 68م – 86م )
لما كان القديس العظيم مار مرقس الرسول هو مؤسس الكنيسة القبطية فهو يعد البابا الأول للإسكندرية ، و تعاقب من بعده الباباوات على سدته و كانوا خلفاءه و استمروا يتعاقبون الواحد تلو الأخر فى سلسلة مترابطة متصلة الحلقات منذ استشهاده إلى يومنا هذا حتى الخليفة المرقسى الأن حضرة صاحب الغبطة و القداسة البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث البابا المائة و السابع عشر و كان إنيانوس الخليفة التالى لمار مرقس و قد نال كرامة رياسة الكهنوت المقدس على يد القديس البشير نفسه . ( قصة الكنيسة القبطية إيريس حبيب المصرى )

+ من هو انيانوس
إن إنيانوس باكورة العمل الكرازى للقديس العظيم مار مرقس . هو البطريرك الثانى من بطاركة الكرسى الإسكندرى . و قد كان من أهالى مدينة الإسكندرية ، إبنا لوالدين و ثنيين و كان إسكافياً و حدث عند قدوم العظيم مار مرقس الرسولى إلى الإسكندرية قادماً من الخمس مدن الغربية بعد قضاء تسع سنوات هناك انه اتجه إلى الواحات ثم الصعيد ثم تقدم شمالاً نحو نابليون و غادرها إلى الإسكندرية و هو يجول مبشراً فى طرقاتها حتى انقطع حذاؤه و كان ذلك فاتحة خير لأعماله المجيدة إذ دبرت العناية الإلهية أن يمر على إسكافى بالسوق هو إنيانوس و بينما هو يصلح حذاءه دخل المخرز فى إصبعه ، فصرخ قائلاً ( ايس ثيئوس اى يا الله الواحد ) فتعجب القديس مرقس عند سماعه هذه الكلمة اليونانية و وجدها فرصة مناسبة ليحدثه عن الله الواحد . و كان لبد أن يشفى يده أولاً و يخلصه من ألمه ثم يتحدث معه بعد ذلك . و هكذا تفل القديس مرقس على اتراب من الأرض و دهن به أصبع إنيانوس فبرئ فى الحال و تعجب إنيانوس جداً من هذه المعجزة التى حدثت باسم يسوع المسيح و تفتح قلبه لكلمة الله .


و أخذ القديس مرقس يسأل إنيانوس عمن يكون هذا الإله الواحد الذى نطق الإسكافى بإسمه . فأجابه انيانوس اننى لا اعرف و لكنى اسمع عنه و هنا بدأ القديس مرقس يحدثه عن ألوهية السيد المسيح و عن سر تجسده و موته و قيامته و عمل الآيات باسمه و ما ان إنتهى انيانوس من اصلاح الحذاء و سلمه لمار مرقس ، حتى دعاه أن يذهب معه إلى بيته ليكمل له هذا الحديث اللاحوتى الشيق و جمع له اقاربه و اصحابه و لما دخل مار مرقس إلى بيت انيانوس رسمه بعلامة الصليب المقدس و قال " بركة الرب تحل فى هذا البيت " و قد صار البيت فيما بعد كنيسة بأسم
مار جرجس كما ورد فى سنكسار 20 هاتور و فى تاريخ البطاركة لابن المقفع . و عرف هذا الموضع على مدى تاريخه الطويل بعده اسماء مختلفه منها ( بيت انيانوس ) و كان كنيسة 0تحت الارض بأسم مارمرقس وفيها دفن القديس مرقس في موضع اسفل هذه الكنيسة . اصبحت من بعده عادة ان تدفن الاباء البطاركة الاسكندريين بعد نياحتهم مع جسد مارمرقس في مقبرته . ثم جلس مارمرقس مع إنيانوس ومع اسرته يحدثهم عن السيد المسيح وعما ورد عنه في كتب الانبياء وما حدث في صلبه العظيم والفداء الذي قدمه للعالم من اجل افتدائنا ومصالحتنا مع الله . فاتضاء عقل إنيانوس وامن هو اهل بيته وعمدهم مارمرقس فكانوا هم باكورة المؤمنين في مصر كلها والثمرة الاولي لتعب مارمرقس في سبيل نشر الكرازة .

رسامته اسقفاً :
امام ازدهار الايمان الكبير في مصر ونجاح مرقس الرسول في بشارته استشاط الوثنيون غيظاً وفكروا في قتل مارمرقس وراحو يتربصون به الدوائر ليفتكوا به فنصحه المؤمنين ان يبتعد قليلا من اجل سلامة الكنيسة ورعايتها حينئذ قام بسيامه القديس إنيانوس اسقفا علي الاسكندرية حوالى عام 64م صام معه ثلاثه من الكهنه هم ميليوس وسابينوس وسردنوس وايضا سبعه من الشمامسة. كانت سيامته في مده حكم وسبانيوس قيصر في شهر بشنس .


ثم ذهب مارمرقسليفتقد الشعب الذي بشره في الخمس المدن الغربية بلبيا والذين حملوا رساله الكرازة الي مواطنهم اثناء غياب القديس العظيم مارمرقس ومكث هناك سنتين يبشر ويرسم كهنه بعد استشهاد الرسولين العظيمين القديس بطرس والقديس بولس رجع مارمرقس الي الاسكندرية فواجد ان تعبه لم يذهب هباءاً وان غرسه قد نما وازدهر وكان عمل القديس إنيانوس الاسقف في الكرازة واضحا لدرجة ان عدد المؤمنين قد تزايد جدا وقد بنوا لهم كنيسة في المنطقة الشرقية من الاسكندرية عرفت بأسم " بوكاليا " ( كلمة بوكاليا معناها دار البقر وقيل انها سميت كذلك لانها كانت حظرة للبقر او لانها كانت تنبت في ذلك المكان حشائش واعشاب بريه فكانوا يرعون فيها البقر وموضعها الان الكنيسةالمرقسية بالاسكندرية ) كما بنوا الي جوارها عدداً من المساكن جعلوها بيوت ضيافة للغرباء والفقراء ثم لمانال الكاروز العظيم إكليل الشهادة في 30 برمودة في السنه الرابعة عشرة لحكم نيرون الظالم في 26ابريل سنه 68م اتي القديس إنيانوس ومعه جماعه من المؤمنين الباسلين فأخذوا جسد ابيهم في الايمان وحملوه الي كنيسة بوكاليا ووضعوه في تابوت حيث صلي عليه خليفته القديس انيانوس مع الاكليروس وكل الشعب وتبارك الجميع منه وتسلم انيانوس رعايه الشعب المسيحي مباشرة لانه قد نال الكرامة الاسقفية من يد القديس مرقس نفسه عام 64م أي قبل استشهاده باربع سنوات .

فاصبح انيانوس بذلك البابا الاسكندري الثاني واول السلسه المتنية التي تتألف من تعاقب خلفاء القديس مرقس واحدا بعد الاخر علي السده المرقسية الجليلة . وقد كان البابا انيانوس من الحكماء الصالحين الساهرين علي رعيتهم يعلم الشعب وثبته علي الايمان القويم باخلاص متناه وبهمة لا تعرف الملل وكان فوق كل هذا علي جانب عظيم من البساطة والتواضع فاستطاع بجهاده الحسن ان يكسب عددا كبيرا من الشعب الي المسيحية كما استطاع ان ينشر الايمان المستقيم في ربوع مصر وان يثبت قلوب المصريين علي هذا الايمان فقام الكثيرون من ارباب المناصب العالمية والاكابر والاعيان وبعض رجال الدوله بالالتفاف حوله بعد اعتناقهم الديانه المسيحية وكثر المؤمنين فرسهم منهم كهنه وخداما .
وقد شهد المؤرخون للبابا انيانوس بالصلاح والتقوي وقال عنه اوسابيوس المؤرخ " انه كان محبوبا من الله مقبولا عنده " وقال اخر " كان قلبه ينظر قلب الله ويعرف مشيئته ويتممها "

نياحته :
تنيح في 20 هاتور من عام 86م وهي السنه الثانية من ملك دوميتيانوس امبراطور الرومان وكان قد تولي اثناء جلوس البابا انيانوس علي كرسي مارمرقس سبعه قياصرة هم نيرون وجلبا وواثون وفيتليوس وسباسيان ، وتيطس ، ودومتيان .


بهذا يكون البابا انيانوس قد سيم اسقفا عام 64م بيد القديس مرقس نفسه وجلس علي كرسي مارمرقس كخليفة له فيعام 68م واستمر في خلافته المرقسية حتي 20هاتور 86م تاريخ نياحته بسلام أي نحو اثنين وعشرون سنه من رسامته اسقفا فيكون بهذا قد استمر مسئولا عن شعب السيد المسيح كبطريرك مده ثماني عشرة سنه وكانت ايام رئاسته كلها هدوءا واستقرارا .


وكان البابا انيانوس اول من حمل لقب " بابا" كما يتضح من المخطوطات القديمة ولقد حمل خلفاء مارمرقس لقب " بابا" ومعناه " ابو الاباء " من البداية وقد جاء في اوشي الاباء للقداس الالهي للقديس مرقس والذي رتبه فيما بعد البابا كيرلس عمود الدين ( البابا الاسكندري ال24)
ما نصه :


صلوا من اجل ابينا الانبا ( فلان) بابا وبطريرك وسيد ورئيس اساقفه مدينة الاسكندري العظمي .
فلتكن روح القدس البابا انيانوس والبطريرك الثاني معنا وليعطينا الرب ان نسير معه علي الطريق فلا نفتخر باطلا باننا ابناء ابناء القديسين دون ان نعمل عملهم مكملين رسالتهم .

البطريرك الثالث البابا ميليوس ( 86م- 98م)
يعتبر البابا ميليوس ثالث بطاركة الاسكندرية وقد انتخب للبطريركية بعد نياحة البابا انيانوس في شهر كيهك سنه 86م في السنه الخامسة عشرة من ملك دوميتيانوس قيصر ابن اسباسيانوس ملك رومية وقد انتخب باجماع اراء الشعب . وكان هذا البابا مشهورا بالعفاف متصفا بالتقوي والغيرة علي رعية المسيح فحذا حذو سلفه في بث الدعوة الي الايمان وقد نال الكرامة الكهنوتية العليا بعد صعود ربنا يسوع المسيح بخمس وخمسين سنه فرعي رعية الله احسن رعاية اقام علي الكرسي المرقسي اثنتي عشر سنه وتنيح في اول توت 98م .

البطريرك الرابع الباباكردنوس ( 98 م – 108م)
إجتمع الاساقفة والكهنة والشعب وتشاورا حول من يجلس خلفا للبابا ميليوس فالقوا قرعه لكي يعرفوا من يستحق الجلوس علي كرسي الاسكندرية فأتفق رأيهم بتأييد روح الله القدوس علي إنتخاب رجل فاضل اسمه كردنوس قيل أنه ممن عمدهم الرسول مرقس الرسول فرسم بطريركاً في 7توت 98ك في عهد تراجان قيصر وكان عفيفاً متصفاً بكل الصفات الصالحة فرعى الكنيسة باجتهاد وأمانة فكان أشهر وأتقى وأعلم وأفضل رجال الدين في عصره ( تاريخ الكنيسة القبطية الشماس منسي يوحنا ) وقبض عليه واستشهد في الإضطهاد الذي اثاره تراجان قيصر في 21 بؤونة 108م وكانت خدمته للكنيسة مدة 10 سنين و9 شهور و10 أيام وقد خلا الكرسي بعدة ثلاث سنوات – أو تزيد – نظرا لشدة الاضطهاد وعدم تمكن الشعب المسيحي من انتخاب خليفة له .

إرسال تعليق

0 تعليقات