ملخص وقائع الفتح العربي لمصر سنة 638 ميلادية





     بعد تسليم بيت المقدس للخليفة عمر بن الخطاب، قابله عمرو بن العاص وأعاد عليه الإلحاح في طلب فتح مصر، وجعل يبين للخليفة ما كانت عليه مصر من الغنى وما كان عليه فتحها من السهولة، وقال له إنه ليس في البلاد ما هو أقل منها قوة ولا أعظم منها غنى وثروة،... وأن مصر تكون قوة للمسلمين إذ هم ملكوها، وكان اجتماع القائد بالخليفة في(الجابية) قرب دمشق .                                                                                               بتلر ص226
ديسمبر639م
    وافق الخليفة وهو متردد على سير عمرو بن العاص لمصر، سار عمرو في جيش صغير من أربعة آلاف جندي (4000) أكثرهم من قبيلة عك وإن كان الكندي يقول أن الثلث كانوا من قبيلة غامق، ويروي ابن دقماق أنه كان مع جيش العرب جماعة ممن أسلم من الروم وممن أسلم من الفرس، وقد سماهم في كتابه، سار بهم من عند الحدود بين مصر وفلسطين حتى صار عند رفح وهي على مرحلة واحدة من العريش بأرض مصر، فأتت عند ذلك رسل (تحت المطي) تحمل رسالة من الخليفة، ففطن عمرو إلى ما فيها، وظن أن الخليفة لابد قد عاد إلى شكه في الأمر، خاشيا من الإقدام والمضي فيما عزم عليه.  فلم يأخذ الرسالة من الرسول حتى عبر مهبط السيل الذى ربما كان الحد الفاصل بين أرض مصر وفلسطين، وبلغ بسيره الوادي الصغير الذي عند العريش، وهناك أتى له بالكتاب فقرأه ثم سأل من حوله أنحن في مصر أم في الشام ؟ فقيل له نحن في مصر. فقرأ على الناس كتاب الخليفة ثم قال: إذن نسير في سبيلنا كما يأمرنا أمير المؤمنين، وكان الخليفة يأمره بالرجوع إذا كان بعد في فلسطين، فإذا كان قد دخل أرض مصر فليسر على بركة الله ووعده أن يدعوا الله له بالنصر وان يرسل له الإمداد.         بتلر ص 228 ـ 230
يناير 640م  الاستيلاء على بلوز (الفرما)
      وصل العرب إلى مدينة بلوز، واسمها بالقبطية (برمون)، ويسميها العرب (الفرما)، في نهاية سنة 639م وكانت مدينة قوية بها حصون وبها كثير من الآثار المصرية والكنائس والأديرة. وكان لها مرفأ متصلا بالمدينة بخليج يجري من البحر، وكان فرع من النيل اسمه الفرع البلوزي يصل إلى البحر بقربها، وكان لها شأن كبير إذ كانت مفتاح مصر من الشرق.             
استمرت الحرب متقطعة بين العرب وبين حامية المدينة مدة شهر أو شهرين. واستولى العرب عليها بعد قتال عنيف، وهدموا الحصن، وأحرقوا السفن وخربوا الكنائس الباقية بها.                          بتلرـ ص234 وكامل صالح ص65
أوائل مايو 640م   غارة عمرو الأولى على الفيوم
            وكانت ثغور الفيوم ومداخلها قد حرست حراسة حسنة وأقام الروم ربيئة لهم في حجر اللاهون،.. فعدل العرب إلى جانب الصحراء وجعلوا يستاقون ما لاقوا من النعم، فأخذوا منها عددا عظيما، وما زالوا كذلك حتى بلغوا مدينة اسمها البهنسا ففتحوها عنوة وقتلوا من وجدوا بها من رجال ونسوة وأطفال، ولم يستطيعوا فتح مدينة الفيوم، وعادوا أدراجهم منحدرين مع النهر .                                                                               بتلر ص254 و  255
6 يونيو 640م  وصول الإمداد للعرب
وصل الإمداد بقيادة الزبير بن العوام ابن عم النبي وصاحبه وأحد رجال الشورى الستة، وكان معه أربعة آلاف رجل، ثم جاء في عقبه كتيبتان كل منهما أربعة آلاف رجل، فكان جميع ما جاء من الإمداد أثنى عشر ألفا.                                               بتلر ص 256
منتصف يوليو 640      عين شمس وموقعة أم دنين
            تجمعت جيوش العرب عند هليوبوليس، وكانوا يسمونها عين شمس واسمها بالقبطية (أون)، وكانت معروفة بعظمة آثارها، ومركزها العلمي، ومما يذكر أن أفلاطون كان يتلقى فيها العلم.                                                                                      بتلر ص258           
     وأعد العرب كمينين لجيش الروم، وأمرهما عمرو أن يهبطا على جانب جيش الروم ومؤخرته إذا ما سنحت لهما الفرصة،  وحدثت المعركة في الموضع الذي يسمى اليوم (العباسية). واستولى العرب بعد انتصارهم هذا على حصن أم دنين (بين عابدين والأزبكية الآن)، وهرب من كان فيه من الروم إلى حصن بابليون أو   إلى حصن نقيوس .                                            بتلر ص263
أواخر يوليو 640م   الاستيلاء على الفيوم
            لما بلغت أنباء نصر العرب إلى الفيوم غادرها من بها من المسالح، فخرج (دومنتيانوس) من المدينة، في الليل وسار إلى (أبويط) ثم هرب إلى نقيوس، ولما بلغ نبأ هروبه إلى عمرو بن العاص، بعث كتيبة من جنده عبروا النهر وفتحوا مدينتي الفيوم وأبويط وأحدثوا في أهلها مقتلة عظيمة.                                                                                                                              بتلر ص264
أوائل سبتمبر 640م  
بدء حصار حصن بابليون (مدة الحصار كانت 7 أشهر)
            وكان حصنا عظيما، أسواره بارتفاع نحو ستين قدما وسمكها ثمانية عشر قدما، وبه أربعة أبراج بارزة بينها مسافات غير متساوية، وكان ماء النيل يجري تحت أسواره والسفن ترسوا تحتها، وكان به صرحان عظيمان، وكل صرح من هذين الصرحين، دائريا يبلغ قطره نحو مائة قدم، وكان الصاعد إلى أعلى الصروح يشرف على منظر عظيم يبلغ مداه المقطم من الشرق وإلى الجيزة والأهرام وصحراء لوبيا من الغرب، وإلى قطع كبيرة من نهر النيل من الشمال والجنوب، وكان الناظر من هناك لا يقف شئ دون بصره حتى يبلغ مدينة عين شمس.                                                                             بتلر ص 270
     وكانت جزيرة الروضة كذلك ذات حصون ومنعة في ذلك الوقت، وكانت تزيد من قوة حصن بابليون وخطره الحربي، بأنها في وسط النهر تملك زمامه.
ويظهر من قول بن دقماق أن العرب غزوا تلك الجزيرة في أثناء حصارهم لحصن بابليون، فلما خرج الروم من هناك هدم عمرو بعض أسوارها وحصونها.                                                                                            بتلر ص272
أكتوبر 640م   معاهدة بابليون الأولى لتسليم الحصن.
            خرج قيرس المقوقس سرا من حصن بابليون وذهب إلى جزيرة الروضة لمفاوضة العرب، وأرسل من هناك رسلا إلى عمرو بن العاص، ورد عمرو على المقوقس بقوله: ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال:ـ
          1ـ إما ان دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا.
2ـ وإن أبيتم، فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون.
3ـ وإما ان جاهدناكم بالصبر والقتال، حتى يحكم الله بيننا وهو أحكم الحاكمين.                                      بتلر ص 284
وقد كرر عبادة بن الصامت، المتكلم باسم العرب، كرر هذه الشروط للمقوقس عدة مرات . وانتهت هذه المقابلة باختلاف الآراء وعاد العرب إلى الحرب، ولكن الدائرة كانت على الروم، فجعلتهم يفكرون في العودة إلى المفاوضة.
عادت المفاوضات مرة أخرى، وكانت الخصلة التي أختارها الروم، هي الجزية والإذعان، فعقد الصلح على أن يبعث به إلى الإمبراطور، فإذا أقره نفذ. وعندما وصلت أخبار هذه المعاهدة إلى هرقل أرسل إلى المقوقس يأمره أن يأتي إليه على عجل.
منتصف نوفمبر 640م  هرقل يستدعي المقوقس إلى القسطنطينية.
            وصل المقوقس إلى القسطنطينية، بعد أن استدعاه الإمبراطور هرقل، وحاول أن يدافع عن نفسه أمام الإمبراطور بكلام لم يقتنع به هرقل، وغضب عليه واتهمه بأنه خان الدولة وتخلى عنها للعرب، ونعته بالجبن والكفر وأسلمه إلى حاكم المدينة، فشهر به وأوقع به المهانة ثم نفاه من بلاده طريدا. وكان المقوقس يرى أن العرب هم قوم الموت.                                       بتلر ص291
وأن الله أخرجهم لخراب الأرض.                                                                                بتلر ص286 
قرب نهاية عام 640
            بعد رفض هرقل لمعاهدة المقوقس، عاد القتال بين العرب والروم حول الحصن (حصن بابليون)، إلى أن وصلت الأخبار بموت هرقل.
11 فبراير 641م  موت هرقل
            توفى هرقل بعد أن حكم إحدى وثلاثين سنة، وكان عمره 66 عاما، وكانت وفاته قبل فتح حصن بابليون بشهرين تقريبا، وبعد وفاته، تولى الأمر بعده، بعهد منه، ولداه قسطنطين ابن زوجته أدوقيه، وهرقل (هرقلوناس) ابن زوجته الأخرى مرتينه.
 إبريل 641م  تسليم حصن بابليون للعرب.
            كان لموت هرقل أثره السئ على جنود الحصن، وبعد محاولة العرب تسلق أسوار الحصن، عرض قائده (جورج) أن يسلم الحصن للعرب على أن يأمن كل من كان هناك من الجنود على أنفسهم، فقبل عمرو منهم الصلح، وكتب عهد الصلح (بين جورج وعمرو) على أن يخرج الجند من الحصن في ثلاثة أيام، فينزلوا بالنهر ويحملوا ما يلزم لهم من القوت لبضعة أيام، أما الحصن وما فيه من الذخائر وآلات الحرب فيأخذها العرب، ويدفع أهل المدينة للمسلمين الجزاء، وكانت مدة الحصار سبعة أشهر. بتلرص299
13 مايو 641م  استيلاء العرب على نقيوس وما حولها
            مدينة نقيوس، كائنة على فرع رشيد في الشمال الغربي من منوف (قرية ابشادي وزاوية رزين الآن)، وكانت مدينة عظيمة حصينة حافلة بالآثار المصرية، وكانت مركزا لأسقفية كبيرة، وأشهر أساقفتها يوحنا النقيوسي، الذى عاصر الفتح العربي وكتب تاريخه المشهور.
                          كامل صالح ص87
     استطاع العرب أن يقتحموا الحصن والمدينة، بعد هروب قائد حاميتها الروماني (دومنتيانوس)، الذي لاذ بالفرار إلى الإسكندرية، ودخلوا المدينة وأوقعوا بأهلها وقعة عظيمة، قال يوحنا النيقوسي: "فقتلوا كل من وجدوه في الطريق من أهلها، ولم ينج من دخل الكنائس لائذا، ولم يدعوا رجلا ولا امرأة ولا طفلا،  ثم انتشروا فيما حول نقيوس من البلاد فنهبوا فيها وقتلوا كل من وجدوه بها، فلما دخلوا مدينة (صوونا)، وجدوا بها (اسكوتاوس) وعيلته وكان يمت بالقرابة إلى القائد (تيودور) وكان مختبئا في حائط كرم مع أهله، فوضعوا فيهم السيف فلم يبقوا على أحد منهم".
     ولكن يجدر بنا أن نسدل الستار على ما كان، فإنه لا يتيسر لنا أن نسرد كل ما كان من المسلمين من المظالم بعد أن أخذوا جزيرة نقيوس في يوم الأحد وهو الثامن عشر من شهر (جنبوت) في السنة الخامسة عشرة من سني الدورة .ويقع ذلك التاريخ في اليوم الثالث عشر من شهر مايو 641م.
     ويقول بتلر ص311 و 312 : "وقد أثبتنا هنا نص قول الأسقف القبطي لأنه يدل على ما كان عليه القبط من قلة حب للعرب الفاتحين، ولكي نظهر أنهم ما كان لهم أن يحبوهم، وقد كان منهم ما كان.  وقد كانت نقيوس معقلا من معاقل الدين القبطي، ولا شك أن الناس كانوا مع ما نزل بهم من الاضطهاد لا يزالون على عقيدتهم يضمرونها في قلوبهم، ولو أظهروا الخروج منها تقية لما نالهم من عسف قيرس، وكان العرب في وقعتهم لم يفرقوا بين قبطي ورومي. وليس فيما وصلنا من أخبار ذلك لفظ واحد يدل على أن القبط كان لهم شأن آخر في معاملة العرب. . . وكان العرب ينظرون إلى كلا الحزبين نظرة الازدراء، ولا يأمنون لأيهما ولا يتعاهدون مع أحد منهما.  وفي طريقهم إلى نقيوس، مر العرب بمدينة قديمة معروفة باسم طرنوتي، أو كما يسميها العرب الطرانة، وحدثت هناك موقعة انهزم فيها الروم، وواصل عمرو سيره إلى نقيوس.                                                                                                                   بتلر ص 310    
            وفي مواصلة طريقهم إلى نقيوس، مر العرب بقرية صغيرة على الجانب الغربي للنيل تعرف اليوم بخربة وردان، ويذكر بتلر فى هامش ص309 نقلا عن المقريزي قصة هذه القرية فيقول: وكان عمرو حين توجه إلى الإسكندرية خرب القرية التي تعرف اليوم بخربة وردان، واختلف علينا السبب الذي خربت لأجله. فحدثنا سعيد بن عفير أن عمر لما توجه إلى نقيوس عدل وردان لقضاء حاجته عند الصبح فأختطفه أهل الخربة فغيبوه، ففقده عمرو وسأل عنه وقفا أثره فوجدوه فى بعض دورهم فأمر بإخرابها وإخراجهم منها، وقيل كان أهل الخربة رهبانا كلهم فغدروا بقوم من صحابة عمرو، ووجه إليهم وردان فقتلهم وخربها، فهي خراب إلى اليوم. 
            وبعد مذبحة نقيوس والاستيلاء عليها، واصل العرب سيرهم إلى مدينة كريون وهي آخر سلسلة من الحصون بين حصن بابليون والإسكندرية، وكان لها شأن عظيم في تجارة القمح، سوى ما كان لها من خطر عظيم في الحرب، إذ كانت تشرف على الترعة التي عليها جل اعتماد الإسكندرية في طعامها وشرابها،  ولكن حصونها لم تكن في المنعة على مثل ما كان عليه حصن بابليون ولا حصن نقيوس.  وحدث هناك قتال عنيف، ولم تكن تلك الوقعة قتال يوم انجلى عن مصير كريون، بل كان قتالا شديدا استمر بضعة عشر يوما.
     ويلوح لنا أن تلك الوقعة لم تكن نصرا لإحدى الطائفتين، بل تساوت فيها الكفتان، ولكن مؤرخي العرب يقولون إنها كانت نصرا عظيما للمسلمين.
     وبفتح العرب لكريون، خلا أمامهم الطريق إلى الإسكندرية، وكان عدد جيش عمرو عشرين ألفا غير الحاميات التي تركها في بابليون ونقيوس وغيرها.                                                 بتلر ص 316 و317 
25 مايو 641م  موت قسطنطين ابن هرقل
     بعد موت هرقل في 11 فبراير 641م ، كان قد تولى الملك بعده ولداه، وهما: قسطنطين، ابنه من زوجته أدوقية، وهرقلوناس (هرقل) إبنه من زوجته الثانية مرتينة.                        
     وكان قسطنطين قد قام  بإعداد العدة وتجهيز الجيش والسفن اللازمة لإرسالها إلى مصر، وما كاد كل ذلك يعد، حتى مرض ومات في 25 مايو 641م، بعد أن حكم مائة يوم فقط. وبموته ، آل الحكم كله إلى أخيه هرقلوناس، الذى سار على عكس نهج أخوه قسطنطين، وأعد العدة لإرجاع المقوقس إلى مصر، وأباح له أن يصالح العرب . 
آخر يونيو 641م   الهجوم على الإسكندرية
            سار عمرو بن العاص بجيشه متجها إلى الإسكندرية من ناحية الجنوب الشرقي للمدينة، وكانت الإسكندرية، كما يصفها بتلر ص317 ، ذات عظمة بارعة نادرة تتجلى لمن يسيرون بين الحدائق وحوائط الكروم والأديرة الكثيرة بأرباضها. فقد كانت الإسكندرية حتى القرن السابع أجمل مدائن العالم وأبهاها، فلم تبدع يد البناء قبلها ولا بعدها شيئا يعدلها، اللهم إلا روما وقرطاجنة القديمتين.
     وكانت الأسوار منيعة تحميها آلات المجانيق القوية، ولم تكن للعرب خبرة في فنون الحصار وحربه، وعندما حمل عمرو بن العاص بجيشه أول مقدمه على أسوار المدينة، كانت حملة طائشة غير موفقة، فرمت مجانيق الروم من فوق الأسوار على جنده وابلا من الحجارة العظيمة، فارتدوا باعدين عن مدى رميها، ولم يجرؤا بعد ذلك على أن يتعرضوا لقذائفها، وقنع المسلمون أن يجعلوا عسكرهم بعيدا عن منالها، وانتظروا أن يتجرأ عدوهم ويحمله التهور على الخروج إليهم.
     ولم يكن ثمة حصار للإسكندرية بالمعنى الصحيح، فقد كان البحر يحمي المدينة من جهة الشمال، وكانت الترعة وبحيرة مريوط تحميانها من الجنوب، وكان إلى الغرب ترعة (الثعبان)، فلم يبق من فرج إلا شرقها وجنوبها الشرقي، ولم يستطع المحاصرون أن يقتربوا من الأسوار من ذلك الفرج، وقد تأكد عمرو أنه لن يستطيع أخذها بالهجوم. 
     وكان الروم قد هاجروا من حول الإسكندرية، فصارت قصورهم البديعة ومنازلهم الجليلة فيما وراء الأسوار فيئا للعرب، فغنموا منها غنيمة عظيمة، وهدموا كثيرا منها ليأخذوا خشبها وما فيها من حديد، وأرسلوا ذلك في سفن بالنيل إلى حصن بابليون كي يقيموا به جسرا ليعبروا عليه إلى مدينة لم يستطيعوا من قبل أن يعبروا إليها.                                                      بتلر ص321
            مضى عند ذلك أكثر شهر يونيو،  ولم يكن عمرو بالرجل الذي يخادع نفسه عن المدينة ويعلل نفسه باستطاعته فتحها عنوة، فقد علم حق العلم أنه لن يستطيع أخذها بالهجوم،  وإنما كان واثقا من شئ واحد، وهو أن أصحابه إذا خرج لهم العدو وناجزهم القتال، صبروا وثبتوا وغلبوه. وعلى ذلك عول على أن يخلف في معسكره جيشا كافيا للرباط، وأن يسير هو مع من بقي من الجنود، فيضرب بهم في بلاد مصر السفلى (مدن الدلتا).                                                                                                                           بتلر ص 320
            سار عمرو بن العاص بمجموعة من جنوده  إلى( كريون) ومن ثم إلى (دمنهور) ثم سار إلى الشرق يجوس خلال الإقليم الذي يعرف اليوم باسم الغربية، حتى بلغ (سخا) وكان ذلك الموضع إلى شمال المدينة الحديثة (طنطا) على نحو أثنى عشر ميلا منها، وهو قصبة الإقليم، وكان موضعا حصينا، ولم يفلح عمرو في تحقيق ما كان يريده من النزول على تلك المدينة بغتة وأخذها على غرة، ورأى العرب أنفسهم مرة أخرى وقد عجزوا عن أخذ مدينة تحيط بها الأسوار وتكتنفها المياه.
     فساروا نحو الجنوب ولعلهم اتبعوا (بحر النظام) حتى بلغوا (طوخ) وهي على نحو ستة أميال في الشمال الغربي من موضع (طنطا).
ومن (طوخ) ساروا إلى (دمسيس)، وقد ارتدوا كذلك عن هاتين القريتين ولم يستطيعوا فتحهما، ولم يجد أهلهما مشقة في صد العرب.
     ويرد مع هذه الأخبار ذكر غزوة للقرى التي على فرع النيل الشرقي، قيل إن العرب قد بلغوا فيها مدينة (دمياط)، ولعل تلك الغزوة كانت على يد سرية عمرو في هذا الوقت نفسه.  ولم يكن من أمرها غير إحراق المزارع، وقد أوشكت أن ينضج ثمرها، فلم تفتح شيئا من المدائن في مصر السفلى.
     ولنذكر أن العرب قضوا في عملهم في هذا الإقليم أثنى عشر شهرا إلى ذلك الوقت.
     وبعد ذلك الغزاة التي أوقع فيها عمرو بالبلاد وغنم منها عاد إلى حصن بابليون ومن معه دون أن يجني كبير فائدة.
     وإن لنا لدلالة في غزاته تلك في مصر السفلى، وما لاقاه فيها من القتال في مواضع كثيرة، وعجزه في جل ما حاوله من الفتح في بلاد الشمال القصوى، فإن ذلك يزيدنا برهانا على ما تحت أيدينا من البراهين على فساد رأيين  يذهب إليهما الناس : أولهما أن مصر أذعنت للعرب بغير أن تقاتل أو تدافع ، وثانيهما أن المصريين رحبوا بالفاتحين ورأوا فيهم الخلاص والنجاة مما هم فيه.
                                                                                        بتلر ص 322 و323
14 سبتمبر 641م  عودة قيرس المقوقس إلى مصر
             أعاد الإمبراطور الجديد هرقلوناس، أعاد المقوقس من منفاه إلى الإسكندرية، وأباح له أن يصالح العرب.
 8 نوفمبر 641م   كتابة عقد  تسليم الإسكندرية
            كان كبار الروم في الإسكندرية أحزابا وشيعا، تباعد بينهم الإحن ويغري بينهم التحاسد، وكان حرص كل من الحزبين، الأخضر والأزرق، على القتال فيما بينهم، أعظم من حرصهم على حرب العدو الرابض عند أبواب مدينتهم.                                    بتلر ص 334
     وأما ما كان يجول في قرارة نفس المقوقس من مختلف النزعات، فأمر لا يصل إليه الحدس ولا يبلغه التصور، فقد طمع في أن يثيبه المسلمون على مساعدته لهم بأن يبسطوا يده على الكنيسة القبطية في مصر، ويكون عند ذلك مالكا لأمر ليس أحد في القسطنطينية سلطان عليه،  إذ كان قيرس المقوقس يريد أن يزيد في سلطانه الديني بالإسكندرية ويقيمه على أطلال الدولة بعد خرابها، ولسنا نجد رأيا آخر أكثر ملاءمة لما بدا منه، فهو خير رأي نستطيع به أن ندرك ما كان بينه وبين عمرو من صلات خفية، وما قارفه من خيانة دولته الرومانية، فلنصفه بأنه خائنا للدولة في ما توهمه صلاحا للكنيسة.                                                                                           بتلر ص 331
     وكان عمرو قد عاد إلى بابليون بعد أن فتح بلاد الصعيد، أو على الأقل بلاد مصر الوسطى، كيما يستريح بأصحابه في أوان فيضان النيل، وفيما كان هناك في الحصن، وافاه المقوقس وقد جاءه يحمل عقد الإذعان والتسليم، فرحب به عمرو وأكرم وفادته. وكتب عقد الصلح (صلح تسليم الإسكندرية)، يوم 8 نوفمبر 641م وأهم شروطه:
1 ـ أن يدفع الجزية كل من دخل في العقد.
2 ـ أن تعقد هدنة لنحو أحد عشر شهرا تنتهي في أول شهر بابه القبطي، الموافق الثامن والعشرين من شهر سبتمبر من سنة 642م.
3 ـ أن يبقى العرب في مواضعهم في مدة هذه الهدنة على أن يعتزلوا    وحدهم ولا يسعوا أى سعي لقتال الإسكندرية، وأن يكف الروم عن القتال.
4 ـ أن ترحل مسلحة الإسكندرية في البحر ويحمل جنودها معهم متاعهم وأموالهم جميعها، على أن من أراد الرحيل من جانب البر فله أن يفعل، على أن يدفع كل شهر جزاء معلومًا ما بقي في أرض مصر في رحلته.
5 ـ أن لا يعود جيش من الروم إلى مصر أو يسعى لردها.
6 ـ أن يكف المسلمون عن أخذ كنائس المسيحيين ولا يتدخلوا في أمورهم أى تدخل.
7 ـ أن يباح لليهود الإقامة في الإسكندرية.
8 ـ أن يبعث الروم رهائن من قبلهم، مائة وخمسين من جنودهم وخمسين من غير الجند ضمانا لإنفاذ العقد.                                            بتلر ص 343
            أمضي عهد الصلح في بابليون في يوم الخميس 8 نوفمبر 641م وكان لا بد من إقراره من إمبراطور الروم، كما كان لا بد له من إقرار خليفة المسلمين، عمر بن الخطاب، فأوفد عمرو بن العاص، معاوية بن حذيج الكندي، وأمره أن يحمل أنباء ما حدث إلى عمر بن الخطاب الخليفة في مكة، وكان في مدة الهدنة وهي إحدى عشر شهرا، متسع من الوقت يكفي لذلك وما يلزم من الرسوم ، ثم عاد قيرس المقوقس مسرعا إلى الإسكندرية يحمل معه كتاب الصلح.
     أرسلت الرسائل إلى الإمبراطور هرقلوناس تفضي إليه بشروط الصلح، وطلب منه المقوقس أن يقرها. ثم دعا المقوقس كبار قواد الجيش وعظماء رجال الدولة، وأخذ يسهب في ذكر الضرورة التي استوجبت عقده، وما فيه من مزايا، فما زال حتى فاز بما أراد من حمل سامعيه على الإيمان بقوله، ولكن كان فوزا ما أشأمه .                                                                            بتلر ص 353
     ويقول بتلر، ص 358 :" فمن ذلك نرى أن ذلك الصلح الذي عقده قيرس لم تكن ثمة ضرورة في الحرب تدعوا إليه، ما دامت أساطيل الروم تسيطر على البحر، والعرب بعد أبعد الناس عنه، لا يمر بخاطرهم أن يتخذوا فيه قوة وكانت الإسكندرية تطيق الصبر على الحصار مدة سنتين أو ثلاثة، ريثما يلي الأمر حاكم صلب القناة، فإذا ما كان ذلك، لم يكن من المستبعد أن تعود مصر إلى الروم، ... ولكن قيرس المقوقس أسلمها للعدو خفية وعفوا بغير أن تدعوه إلى ذلك ضرورة. وإنا لا نكاد نعرف في تاريخ الإسكندرية أنها أخذت مرة عنوة بغير أن يكون أخذها بخيانة من داخلها". وقد خابت آمال أهل الإسكندرية، بعد ذلك، بهذا الفتح خيبة ما كان أمرها.
10 ديسمبر 641م   أداء القسط الأول من جزية الإسكندرية للعرب
            ما كان المقوقس يستطيع أن يبقي خطته في ستر الخفاء بعد ذلك طويلا، فقد علم أهل الإسكندرية بالأمر بغتة، وقد فاجأهم طلوع فئة من العرب على المدينة، وما كان أشد عجبهم ودهشتهم مما علموا، إذ عرفوا عند ذلك أن العدو لم يأت ليقاتلهم، بل أتى ليحمل الجزية التي اتفق عليها قيرس المقوقس في عقد الصلح الذي طلبه وكتبه معهم على تسليم المدينة،   فهاج الناس وثار ثائرهم لما سمعوا، وذهبوا غير مصدقين  حتى أتوا قصر البطريق، وكان الخطر في تلك اللحظة محدقا بحياته، إذ تهافت الناس يريدون أن يحصبوه.
ولكنه استطاع بما أوتي من بلاغة وفصاحة على تخفيف جنايته، وتهوين خيانته، في مقالته التي قالها بين الناس، وجعل يبرر ما كان منه قائلا: إنه إنما اضطر إلى ركوب الصعب اضطرارا إذ لم يكن بد منه، وما قصد غلا مصلحة قومه وفائدة أبنائهم،  وأن الصلح حقن دمائهم وأمنهم على أنفسهم وأموالهم وديانتهم، ومن أراد أن يعيش في ارض مسيحية كان له الخيار في ترك الإسكندرية‎، وما كان أمر الخيار بين الهجرة من الإسكندرية وبين الإذعان للمسلمين بالأمر الهين، فلم يتمالك البطريرك معه، بل بكى، وهو يطلب من الناس أن يصدقوا أنه إنما بذل جهده في أمرهم، وأن عليهم أن يرضوا بالصلح.
بهذا استطاع قيرس المقوقس مرة أخرى أن يفوز برأيه المشؤم، وأخذ الناس يجمعون قسط الجزية التي فرضت عليهم، ووضعوا المال في سفينة خرجت من الباب الجنوبي الذي تدخل منه الترعة، وذهب به المقوقس بنفسه، ليحمله إلى قائد المسلمين.
                                                             بتلر ص 354
21 مارس 642م  موت قيرس المقوقس
            في أواخر أيامه استولى عليه الهم وغرق في الحزن، واجتمعت عليه المخاوف،  ففي القسطنطينية بويع لقسطانز وحده بالملك في آخر نوفمبر 641م ، وأبعد جميع أصدقاء المقوقس، وأعيد إلى السلطة من كان عدوا شديد العداوة له. وخشي أن يأمر الإمبراطور الجديد بنفيه أو بقتله.
     ورأى أن الناس قد أنكروا سياسته للدين إنكارا لا أمل معه في عودة الرضى عنه، ورأى سياسته في أمور الدنيا وقد أصابها العار.
وكان أكثر ما أصابه من الحزن كان لرفض العرب شفاعته في أمر عودة الأقباط الذين كانوا قد لجأو إلى الإسكندرية، عودتهم إلى قراهم وإلى منازلهم. وذكر ما قارف من الذنوب وما أصابه من الفشل والخذلان، وكان قلبه يؤنبه، وندم على تفريطه في أمر مصر، وبكى على تضيعه لها.
     وظلت الأقدار تغمره والهموم تحيط به حتى أصابه داء (الدوسنطاريا) في يوم أحد السعف، ومات منه في يوم الخميس الذي بعده في 21 مارس 642م.                                                                                    بتلر ص 380 و 381
يوليو 642م  القتال للاستيلاء على مدن شمال الدلتا
            قاومت مدن شمال الدلتا، مثل: إخنا ، رشيد ، البرلس ، دمياط ، خيس ، بلهيب ، سخا ، سلطيس ، فرطسا ، تنيس ، شطا ، وغيرها. قاومت الفتح العربي مقاومة شديدة.
ويذكر بتلر ص 377 ، أن مقاومة المصريين للعرب استطال أمرها في بلاد مصر السفلى، وظلت إلى ما بعد فتح الإسكندرية، وإذا ذكر أن أهل تنيس وما يليها من البلاد الواقعة في إقليم تلك البحيرة، كانوا من القبط الخلص، تنبض قلوبهم بما تنبض به قلوب القبط،  عرفنا أن وقوع تلك الوقعة في ذلك الوقت، دليل جديد على فساد رأيين طالما خدعا الناس وتقادم عليهما الدهر وهما يكفران الحقيقة، وهذان الرأيان هما : أن مصر سلمت للعرب بغير قتال، وأن القبط رحبوا بالعرب ورأوا فيهم الخلاص مما كانوا فيه .
لقد كانت خيانة قيرس المقوقس للإسكندرية، سببا في القضاء على آخر آمال المسيحيين بالفوز في مصر، ولكن من العجب مع ذلك أن تدافع هذه البلاد المتفرقة في مصر السفلى، جيوش الغزاة العرب وتقاومهم نحو عام آخر. ففي هذه آية على أن أهلها كانوا قوما من أولى النخوة والحفاظ، بقوا على عهد دينهم وثبتوا عليه، ولكن التاريخ لم يجزهم بذلك ما يستحقونه من حسن الأحدوثة، بل لبث ينكر عليهم زمنا طويلا.   
     وكانت الإسكندرية قد ازدحمت بمن لجأ إليها من جميع أنحاء مصر، خوفا على أنفسهم من مداهمة العرب لمدنهم وقراهم، التي لم تكن بمثل حصانة الإسكندرية ومنعتها.
     ولما عقدت معاهدة تسليم الإسكندرية بين المقوقس والعرب، كان من شروطها أن جنود الروم ومن حل بالإسكندرية من الرومان لهم الخيار إذا شاءوا جلوا عنها بحرا وبرا،  وأما القبط فلم يذكروا فيه بشيء، فلما رأى اللاجئون بالإسكندرية أن السفن تحمل كل يوم طوائف من الناس إلى قبرص ورودس وبيزنطة، قلقوا وحنوا إلى الرجوع إلى قراهم، فذهبوا إلى المقوقس وطلبوا إليه أن يكلم لهم عمراً في ذلك، وكانوا يعرفون صلته الوثيقة بقائد العرب،  ولكن الظاهر أن عمراً لم يبيح لهم الجلاء، ولا عجب في أن يخيب سعي البطريرك في هذا الأمر، إذا عرفنا أن طلبه هذا كان قبل شهر مارس، إذ كانت الحرب لا تزال ثائرة في بعض قرى مصر السفلى، وكان أكثر اللائذين من مصر السفلى،  فلو أبيح لهم الرجوع إلى قراهم لما أمن أن يقاتلوا جنود المسلمين بأنفسهم، أو أن يمدوا المدائن التي كانت لا تزال مصرة على القتال ولم يفتحها المسلمون بعد.
غير أن قيرس آلمه ألا يجيبه عمرو إلى طلبه، وكان ألمه من ذلك شديداً، فقد
كان يطمع أن يستميل إليه بعض القبط، ولعله كان يرمي من وراء ذلك إلى أن ينسيهم شيئا من حقدهم عليه، فكان هذا الرفض الذي رفضه عمرو لطلبه،  ضربة شديدة أصابت سياسته في هذا الشأن.                                 بتلر ص 379
            وأضيف هنا إلى كلام بتلر، بأن موقف عمرو بن العاص من الأقباط اللاجئين إلى الإسكندرية، ورفضه عودتهم إلى مدنهم وقراهم، خوفا من انضمامهم إلى محاربة العرب وقتال جنود المسلمين بأنفسهم، يؤكد لنا بوضوح، كذب وبطلان ادعاء ترحيب الأقباط بالعرب الفاتحين، لأنه لو كان هناك أدنى نوع من هذا الترحيب المزعوم من جهة الأقباط، لما رفض عمرو السماح لهم بالعودة إلى ديارهم.
17 سبتمبر 642م   جلاء الروم الأول عن الإسكندرية
            كان يقوم على ترحيل جنود الروم من الإسكندرية ومن بلاد مصر السفلى، اثنان من القادة، هما (تيودور) الذي أصبح حاكم مصر بعد موت المقوقس و(قسطنطين) الذي أصبح القائد الأعلى لجيش الروم بعد (تيودور).
     وفي 17 سبتمبر 642م ، كانت حوالى مائة (100) سفينة من أسطول الروم تحل قلاعها وترفع مراسيها وتسير إلى قبرص بمن كان عليها من فلول الروم الذين كان يقدر عددهم بنحو ثلاثين ألف (30 ألف ) جندي، يحملون معهم متاعهم،  ويرفف عليهم الأسى.
29 سبتمبر 642م   العرب يدخلون الإسكندرية لأول مرة
     بعد رحيل جنود الرومان، وانتهاء مدة الهدنة (أحد عشر شهرا)، التي حددتها معاهدة تسليم المدينة بين المقوقس وعمرو، فتحت أبواب الإسكندرية  ليدخلها العرب لأول مرة.  
شتاء 642 ـ643  غزوة عمرو الأولى (لبنتابوليس)
            سار عمرو حتى بلغ (برقة)، والظاهر أنها سلمت للعرب صلحاً،
على أن تدفع 13 ألف دينار جزية كل عام، وجاء في شروط الصلح شرطان عجيبان :
           1ـ أبيح لأهل برقة أن يبيعوا أبناءهم ليأتوا بالجزية المفروضة.
          2ـ كان عليهم أن يحملوا الجزية إلى مصر، حتى لا يدخل جباة الجزية إلى بلادهم .                               بتلر ص445
            ثم سار عمرو إلى (طرابلس) وكانت أمنع حصوناً وأعز جيشاً، وكانت بها مسلحة كبيرة من الروم، صبرت على الحصار بضعة أسابيع، ولكن لما لم يأتها أى إمداد من جهة البحر، وكاد جيشها يهلك من شدّة الجوع، وجهد القتال، وقعت المدينة في أيدي العرب، فأسرع الجنود الرومان إلى سفنهم، وهربوا منها عن طريق البحر. وسار عمرو بعد ذلك مسرعا إلى (سبرة)، وطلع على المدينة بغتة، وهاجمها في أول الصباح، وأخذ الناس على غرة، وأخذ المدينة عنوة، وأعمل فيها النهب. ثم عاد بجيشه، ومعه عدد عظيم من الأسرى ومقدار كبير من الغنائم، إلى مصر، وعاد عمرو إلى حصن بابليون.                                                                            بتلر ص 446
خريف سنة 644م  عودة (ظهور) البابا بنيامين
            كتب عمرو بن العاص (وعد، أو عهد أمان) للبابا بنيامين، وكان البابا مختفياً في مكان مجهول لا يعلم به أحد، وكانت صورة هذا الوعد كما يلي: أينما كان بطريق القبط بنيامين، نعده الحماية والأمان، وعهد الله، فليأت البطريرك إلى ها هنا في أمان واطمئنان ليلي أمر ديانته ويرعى أهل ملته.                                                     
                                                                                                                           بتلر ص 455
وكانت مدة غياب البابا عن كرسيه 13 سنة، عشر سنين في عهد الرومان وحكم المقوقس، وثلاث سنوات في مدة حكم العرب.
     ويذكر هنا بتلر ملاحظة هامة، ويقول في ص457 : "وإنه لمن الجدير بالالتفات أن هذا البطريق الطريد لم يحمله على الخروج من اختفائه فتح المسلمين لمصر واستقرار أمرهم في البلاد، ولا خروج جيوش الروم عنها، وليس أدل من هذا على افتراء التاريخ على القبط، واتهامهم كذباً بأنهم ساعدوا العرب ورحبوا بهم ورأوا فيهم الخلاص، مع أنهم أعداء بلادهم. ولو صح أن القبط رحبوا بالعرب لكان ذلك عن أمر بطريقهم أو رضائه، ولو رضي بنيامين بمثل هذه المساعدة وأقرها لما بقي في منفاه ثلاث سنوات بعد تمام النصر للعرب، ثم لا يعود بعد ذلك من مخبئه إلا بعهد وأمان لا شرط فيه.
     ولو لم يكن في الحوادث دليل على كذب هذه الفرية غير هذا الحادث، لكان برهانا قوياً، وإن لم يكن برهاناً قاطعاً فهو حلقة نضمه إلى سلسلة ما لدينا من الأدلة، وقد أصبحت سلسلة لا يقوى على نقضها شئ.
أكتوبر 644م 
عمرو بن الخطاب يولي عبد الله سعد بن أبي سرح جباية الخراج
            كانت العلاقة بين الخليفة عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص، علاقة متوترة وغير طيبة، وقد كرر ابن الخطاب إرسال خطابات شديدة اللهجة وغير ودية إلى ابن العاص، يؤنبه فيها بشدة، على تأخيره في إرسال الخراج، من الأموال والخيرات إلى دار الخلافة بمكة. ويقول ابن الخطاب في أحد خطاباته: "أما بعد فإني عجبت من كثرة كتبي إليك في إبطائك بالخراج ....
     ولم أقدمك إلى مصر أجعلها لك طعمة ولا لقومك، ولكني وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج ومن حسن سياستك، فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل الخراج فإنما هو فئ المسلمين وعندي من قد تعلم قوم محصورون والسلام".                                              بتلر ص473
     وكان الخليفة عمر بن الخطاب قد أرسل محمد بن سلمة إلى مصر و أمره أن يجبي ما استطاع من المال فوق الجزية التي أرسلها عمرو بن العاص من قبل. ثم أرسل بعد ذلك عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وولاه حكم الصعيد والفيوم، وجباية الخراج.
7 نوفمبر 644م  مقتل الخليفة عمر بن الخطاب ودفنه
            كان من آخر ما أتاه عمر بن الخطاب في حياته، أن قلل من سلطان عمرو بن العاص، وذلك بأن ولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، حكم الصعيد والفيوم، وجعل إليه جباية الخراج.
10 نوفمبر 644م   عثمان بن عفان يتولى الخلافة في مكة
بويع عثمان بالخلافة في مكة بعد دفن عمر بثلاث ليال (كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي، صفحة 103 ).   
ويذكر بتلر ص 481 ، أنه عندما تولى عثمان الخلافة ، عزل عمرو بن العاص عن ولاية مصر تماما، وجمع ولايتها جميعها لعبد الله بن أبي سرح، وكان يقيم  في مدينة (شطنوه) في إقليم الفيوم. وقد اختلفت الآراء في هذا الوالي الجديد لمصر، فيصفه الطبري بأنه لم يكن في وكلاء عثمان أسوأ من عبد الله والى مصر.  وقد ولاه الخليفة عثمان قصدا، لكي يزيد في جباية الجزية، وقد جعل عبد الله بن أبي سرح، أول همه زيادة الضرائب على أهل الإسكندرية.   

وخرج عمرو بن العاص من مصر بعد عزله، وسار إلى المدينة ناقما على عثمان.                                          (تاريخ الخلفاء للسيوطي).
نهاية سنة 645م  ثورة الإسكندرية بقيادة (منويل)
            بعث الإمبراطور قسطانز في القسطنطينية، بأسطول عظيم يتكون من حوالي 300 سفينة محملة بالجنود بقيادة منويل للاستيلاء على الإسكندرية، وكان بالمدينة حوالي ألف جندي من العرب للدفاع عنها، فغلبهم الروم وقتلوهم جميعا إلا نفراً قليلا منهم استطاعوا النجاة، وعادت بذلك الإسكندرية إلى ملك الروم، وكان عمرو عند ذلك في مكة معزولا، وقد أضاع الجنود الروم  الوقت والفرص كعادتهم، فساروا في بلاد مصر السفلى، يغصبون الأموال والأطعمة  من الناس.
آخر فصل الربيع 644م 
عودة عمرو بن العاص، وموقعة نقيوس الثانية
            لما وصلت أنباء ثورة الإسكندرية، إلى مكة، أمر الخليفة عثمان بأن يعود عمرو بن العاص إلى قيادة جيش العرب في مصر، وكانت نقيوس وحصن بابليون، وغيرها، لا تزال في يد العرب .
     ولم يكن من رأي عمرو أن يسرع في أمره، وهذا غير ما كان يراه خارجة بن حذاقة، الذي كان عند ذلك قائد مسلحة حصن بابليون، إذ كان يرى أن التأخير ضار بالمسلمين، مصلح لأمر الروم،  وأشار على عمرو أن يبادر إلى العدو قبل أن يأتيه المدد،  أو يثب أهل مصر جميعا وينقضوا على العرب. ولكن عمرو، كان يرى خلاف ذلك، فقال: ولا ولكن أدعهم حتى يسيروا إلىّ فإنهم يصيبون من مروا به، فيخزي الله بعضهم ببعض. وإنه لمن الجدير بالذكر أن قواد العرب في هذا الوقت لم يميزوا بين قبطي ورومي، بل ظنوا أن الفئتين معاً إلب على قتالهم.
     وهذا يدل على أنه لم يكن ثمت ما يدعوهم إلى توقع محبة القبط لهم، ولا حيادهم في قتال الروم. ولو صح أن القبط رحبوا بالعرب عند أول مجيئهم إلى مصر ورأوا فيهم الخلاص، لركن قوّاد العرب في هذا الوقت إلى ولاء القبط ومحبتهم، ولتوقعوا منهم الود والمساعدة.                      
      بتلر ص 486 
 وسار الروم على مهل حتى استدرجوا إلى نقيوس، وهناك لقيهم طلائع العرب، ولعل جيشهم كان إذ ذاك خمسة عشر ألفا،  ودارت معركة حامية بين الطرفين، انتهت بهزيمة جيش الروم، الذي انسحب إلى الإسكندرية، وأقفل الروم أبواب المدينة واستعدوا للحصار.
صيف سنة 646م   إعادة فتح العرب للإسكندرية
            كما يقول بتلر في ص 357 ، : إنا لا نكاد نعرف في تاريخ الإسكندرية، أنها أخذت مرة عنوة، بغير أن يكون أخذها بخيانة من داخلها. فقد قيل إنه كان في الإسكندرية، بواب اسمه (ابن بسامه)، سأل عمراً أن يؤمنه على نفسه وأهله وأرضه ويفتح له الباب، فأجابه عمرو على ذلك.ومهما يكن من الأمر، فقد أخذ العرب المدينة عنوة، ودخلوها يقتلون، ويغنمون، ويحرقون، حتى ذهب في الحريق كل ما كان باقياً على مقربة من الباب في الحي الشرقي، ومن ذلك كنيسة القديس مرقس، واستمر القتل حتى بلغ وسط المدينة، فأمرهم عمرو برفع أيديهم، وبنى مسجداً في الموضع الذى أمر فيه عمرو برفع السيف، وهو مسجد الرحمة. وقد لاذت طائفة من جند الروم بسفنهم، فهربوا في البحر، ولكن كثيرا منهم قتل في المدينة، وكان منويل من بين من قتل، وأخذ العرب النساء والذراري فجعلوهم فيئاً.                   بتلر ص 488
وهدم عمرو الأسوار الشرقية حتى سواها بالأرض.                                                                               بتلر ص 497
     وأخذ أسرى من الإسكندرية ومن البلاد المجاورة مثل بلهيب وخيس وسلطيس وقرطسا وسخا ، وبعث بهم إلى المدينة، ولكن الخليفة عثمان أعادهم إلى ذمة المسلمين على شرط الجزية.
     وكان عمرو يريد أن يتخذ الإسكندرية مقراً له، ولكن الخليفة عثمان لم يرض بذلك، كما أباها عليه الخليفة الذي قبله(عمر).
     ولم يبق عمرو في مصر بعد استقرار الأمر إلا شهراً واحداً، ثم خرج عنها لعبد الله بن سعد .
خريف سنة 646م  استدعاء عمرو بن العاص إلى مكة
            عرض الخليفة عثمان بن عفان على عمرو ابن العاص أن يجعله قائد جند مصر، على أن يكون عبد الله بن سعد بن أبى سرح، حاكمها وعاملا على ولاية خراجها، ولكن عمرو بن العاص رفض، ورد قائلا: إناّ إذن كماسك البقرة بقرينيها، وآخر يحلبها .
ولكن الخليفة لم يبق عليه إذ قد فرغ من غرضه منه، وقضى به على ثورة مصر، وكان في حاجة عند ذلك إلى من يستخرج له الأموال من أهلها، فوجد طلبته في عبد الله بن أبي سرح، وخرج عمرو على ذلك من البلاد.                                                      بتلر ص 500   
أغسطس سنة 658م  تولية عمرو حاكما لمصر
            بعد مقتل عثمان، تولى الخلافة، علي بن أبي طالب، ولكن مبايعته للخلافة لم تكن بالإجماع، فثار نزاع دموي طويل، بين علي ومعاوية، انتهى بمقتل علي، وتنازل إبنه الحسن عن الخلافة لمعاوية.
وكان عمرو بن العاص موالياً لمعاوية في نزاعه مع علي، وجاء إلى مصر مناصراً له، فعينه معاوية بعد ذلك، واليا على مصر مكافأة له على مساعدته، ودفاعه عنه، ضد على بن أبي طالب.                                                                           بتلر ص 503
3 يناير 662م  وفاة البابا بنيامين
6 يناير 664م موت عمرو ودفنه في سفح المقطم، ولكن قبره نسى مكانه.   

إرسال تعليق

0 تعليقات